المعركة السياسية حول مستقبل افغانستان ليست بأقل شراسة وضراوة من المعركة العسكرية الدائرة منذ ثلاثة اسابيع، وبما انه لا تلوح على الافق المرئي مؤشرات بأن أيا من المعركتين سوف تحسم على هذا النحو او ذاك لاحلال حالة سلام، فان من المحتم ان تتعاظم اعداد الضحايا من المدنيين الابرياء بمتوالية هندسية ـ من عشرات احادية الى عشرات الألوف ويبقى مفتاح المعضلة ـ حتى الآن على الاقل ـ في يد واشنطن فهي القوة الرئيسية من بين كل القوى الخارجية المصطرعة في المسرح الافغاني التي ان شاءت وضعت نهاية للحرب حتى يتهيأ المسرح لتسوية سياسية بمشاركة بين القوى الخارجية والقوى الافغانية الداخلية على حد سواء. على الصعيد السياسي تعقد اجتماعات بين قوى مؤتلفة واخرى بين قوى مختلفة. والقاسم المشترك الذي يجمع بين رؤى المؤتلفين والمختلفين هو اجماع او ما يشبه الاجماع على تكوين حكومة قومية ائتلافية تتولى الحكم في افغانستان على اساس انتقالي. لكن هل يسمح بتمثيل لتنظيم طالبان في هذه الحكومة جنبا الى جنب مع التنظيمات العرقية والسياسية الاخرى؟ هذا هو محور الخلاف الاساسي. فمجموعة الاقليات العرقية المنضوية داخل جبهة التحالف الشمالي ترفض اي مشاركة لتنظيم طالبان في حكم البلاد مستقبلا ويلقى هذا الموقف دعما من القوتين الخارجيتين المتحالفتين مع الجبهة ـ ايران وروسيا. ومن الغريب ان الولايات المتحدة تتخذ موقفا مناقضا. فهي مضطرة الى مجاراة الحكومة الباكستانية التي تصر ـ لأسباب تتعلق بالمحافظة على النفوذ الباكستاني التقليدي عبر الرابطة العرقية البشتونية مع تنظيم طالبان ـ على ان تشتمل الحكومة الافغانية المستقبلية على تمثيل «العناصر المعتدلة» في طالبان، علما بأن قادة المعارضة في الشمال لا يرون في تنظيم طالبان اي عناصر يمكن ان توصف بالاعتدال. نظريا يمكن للمعركة العسكرية ان تحسم هذا الخلاف السياسي اذا انتهت الى انتصار حربي حاسم وفاصل لقوات جبهة المعارضة الشمالية. فمثل هذا الانتصار سوف يعني نهاية طالبان سياسيا او على الاقل انزواء قواتها الى المجاهل الجبلية لاجل غير مسمى. السؤال الذي يجب ان يطرح اذن هو: هل يمكن افتراض انتصار قوات المعارضة الشمالية بما تلقى من مساندة جوية امريكية على قوات طالبان امرا حتميا ومقضيا؟ هنا نأتي الى مفارقة، فبينما تركن الولايات المتحدة الى الاعتماد على قوات المعارضة لتحقق الاختراق الحاسم المطلوب لالحاق الهزيمة النهائية بقوات طالبان على الارض، فان قادة المعارضة العسكريين يركنون في المقابل الى الاعتماد على هجمات الطائرات الامريكية المكثفة لتدك نيابة عنهم معاقل قوات طالبان الامامية بحيث تدخل قوات المعارضة مدينة مزار الشريف الشمالية تمهيدا لاستهداف كابول دون مقاومة طالبانية تذكر.. ولنعد الى الاذهان ان المعارضة ظلت منهمكة في جولات قتالية ضد قوات طالبان لمدى السنوات الست الاخيرة دون ان تحقق نتيجة على الارض.لكن حتى لو حققت قوات المعارضة اختراقا عسكريا حاسما فانه لن يكون متاحا لها دخول العاصمة كابول. والعائق الذي سوف يقف بطريقها لن يكون عسكريا وانما هو عائق سياسي يتمثل في عهد قطعته واشنطن للجنرال مشرف حاكم باكستان بألا تسمح للمعارضة بدخول كابول قبل ان يتم التوصل الى تسوية سياسية بين القوى المختلفة (داخليا وخارجيا) حول صيغة الحكم المستقبلي لافغانستان، فأخر ما تريد ان تراه باكستان هو ان تشغل المعارضة الشمالية الطاجيكية والاوزبكية الفراغ السلطوي في كابول، وآخر ما تريد ان تراه واشنطن هو غضب باكستاني رسمي قد يفضي الى فض التحالف مع الولايات المتحدة. نحن اذن امام معضلة افغانية معقدة يتداخل شقها السياسي مع شقها العسكري. والخشية كل الخشية ان يؤدي هذا التعقيد الى اطالة امد الحرب .. وبالتالي تضاعف عدد الضحايا المدنيين وفق متوالية هندسية.