عندما يدلهم ليل الاحداث الجسام وتنزل على العالم صواعق مثل هذه التي نحياها، اطلب بصيص نور من ذكريات شخصية انطبعت في ذاكرتي، وأستعيد ـ مثل شريط الفيديو ـ بعض لقاءات مع رجال صنعوا جزءا من تاريخ الغرب وتاريخ الحوار بين الاسلام والغرب، وظلوا صامدين لم تزعزعهم الدعايات اليمينية المتطرفة ولا الشائعات الصهيونية الجائرة. وقد جمعتني بهؤلاء الرجال الثلاثة صداقات قديمة اصيلة، حرصت على رعايتها وتنميتها خلال زمن المنفى الصعب، ذلك الزمن القاسي الذي يخذلك فيه من اعتبرتهم ذات يوم اصدقاء ويتفرق من حولك المنافقون الذين جمعتهم بك مسئوليات زائلة وأعراض دنيوية عابرة. ولكن ليندن لاروش رجل الاقتصاد الامريكي المعروف والمرشح الاسبق لرئاسة الولايات المتحدة الامريكية، وميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الاسبق، ورجاء جارودي الفيلسوف الفرنسي المسلم الذي نذر نصف قرن من حياته لخدمة حوار الحضارات وفضح الصهيونية، هؤلاء الرجال الثلاثة يظلون شامخين من ذلك المعدن الاصيل الثمين الذي لايتغير مع الاحداث، وفي هذه المحنة التي تمر بها حضارة الاسلام، هذه المحنة الثنائية: اي في افغانستان وفي فلسطين، استرجعت احاديثي المطولة مع هؤلاء الاصدقاء الثلاثة، وقرأت محطاتها بعيون اخرى مختلفة وانا دائس معكم جميعا ايها القراء الكرام على جمر هذه المصائب. اول ما أذكره حديثي مع ليندن لاروش في يوم دافيء من أيام نوفمبر 1984، حيث دعاني الى قضاء يوم في «رانشه» بولاية بنسيلفانيا غير بعيد عن واشنطن وكنت في ذلك العهد عضوا بالبرلمان التونسي مقررا للجنة الشئون السياسية وكان بالطبع لاروش كأي سياسي امريكي يريد ان يطلع على مشاغل الطبقة السياسية المغاربية واتجاهات الرأي العام المغاربي ازاء العلاقات الامريكية العربية، وبخاصة قضية فلسطين وتعامل ادارة الرئيس رونالد ريجن في ذلك الزمن مع تلك القضية. وكنت بدوري حريصا على فهم ذلك الجهاز المعقد الذي اسمه امريكا، وكيف يتاح للعرب ايجاد قنوات او اروقة للتعامل مع الرأي العام الامريكي لانه ذو التأثير الحاسم على مجريات القضية الفلسطينية. وكانت تونس في ذلك العقد من الزمن تأوي جامعة الدول العربية وتستضيف منظمة التحرير الفلسطينية وابو عمار وابو جهاد وابو اياد وابو اللطف وكل القيادة المناضلة فاهتمام ليندن لاروش بما كنت اقوله هو اهتمام طبيعي بالنظر لموقع تونس القوي آنذاك ودورها في بلورة سياسته العربية. قال لي لاروش ونحن نتغذى على مائدته مع زوجته ملجا: «انا اعتقد ان ليس للادارة الامريكية سياسة عربية، فهي منذ دوايت ايزنهاور تستعيض عنها بالسياسة الاسرائيلية .. هذا هو الخطر الكبير الذي يهدد مصالح امريكا على المدى البعيد .. ان البيت الابيض ينظر للعرب بعيون اسرائيلية .. لاحظ مثلا اعتبار ياسر عرفات ارهابيا من قبل ادارة ريجن لا لشيء الا لان اسرائيل تعتبره ارهابيا .. وقد كتبت الى ريجن قائلا له: ان ياسر عرفات هو آخر جيل فلسطيني يمكن التفاوض معه .. ان الجيل الذي سيأتي بعده سيأخذ حقوقه بالسلاح والعنف .. نحن نتوقع ان يتحول جزء من ذلك العنف ليضرب امريكا ذاتها في يوم من الايام .. لأننا لم نستقل بعد عن الرؤية والتصور والانماط والمصالح السائدة في اسرائيل. هكذا تكلم ليندن لاروش منذ سبعة عشر عاما. أما ميشال جوبير، وزير خارجية فرنسا ووليد المغرب العربي والقلم المنصف للعرب ولقضية فلسطين، فأنا اذكر حديثه منذ خمسة اعوام في مطعم سان فرانسيسكو الذي نلتقي فيه بصورة دورية يحرص كلانا على احترام مواعيدها. قال لي ذات يوم صيفي عام 1996: انني اعجب من العمى السياسي الذي يصيب الادارة الامريكية .. رئيسا تلو رئيس. واعتقد ان الجهل هو سبب ذلك العمى وذلك التخبط، فالامريكي المتوسط الذي يضع الرأي العام الضاغط عادة على قرارات الادارة الامريكية هو مواطن غريب محدود المدارك السياسية، ليس لديه طموح في ان يعرف حقيقة الصراع العربي الاسرائيلي. فاسرائيل بالنسبة اليه هي الدولة الموالية لامريكا وحامية المصالح الامريكية بإزاء دول عربية «متخلفة» و «غير ديمقراطية»، وهذه الرؤية لدى الامريكي المتوسط هي رؤية اسرائيلية مئة بالمئة .. صاغتها وسوغتها وروجتها اجهزة اعلامية ذات تأثير، وخاصة القنوات التلفزيونية الاهلية والمحلية التي تبث لولاية او لمدينة كبرى او لمجموعة مدن، هذا هو المجتمع الامريكي امام قضية فلسطين .. كيف نغير هذه المعادلة؟ هكذا تكلم اليّ ميشال جوبير وهو الى اليوم مسكون بهاجس التخبط الامريكي ويعتبره امّ المعضلات امام قضية فلسطين. وأني اقرأ مقالات جوبير الصادرة بعد 11 سبتبمر 2001 وأرى انه يحلل الاحداث بنفس المنطق، بل انه كان منذ سنوات عندما كان يتحاور في عام 1973 مع زميله الامريكي هنري كيسنجر ينصح الادارة الامريكية بقراءة حرب اكتوبر 73 بعيون اخرى، وتوقع ازمة عالمية كبرى من جراء مساندة الظلم الاسرائيلي بدون ضوابط. اما الصديق المفكر رجاء جارودي فكانت لي معه احاديث مطولة في باريس في ضاحية «شونفيا» حيث يقع بيته .. قال لي منذ اربع سنوات: «اني اكتب كتابا هذه الايام سوف اضع له عنوانا هو: امريكا تقود العالم الى الهاوية! فقلت له: لعل هذا امر مبالغ فيه .. فرد علي قائلا: لا انها الحقيقة .. لم تدرك امريكا بعد ان حجمها العملاق الاوحد يفرض عليها اليوم رسالة في حوار الحضارات ونصرة المظلومين ورفع راية مباديء حقوق الشعوب وحقوق الانسان .. الى اليوم لم تتعلم تلك القوة العظمى ان عالما خاليا من تلك المباديء لن يصمد .. وسيجرف امريكا معه ـ او تجرفه امريكا ـ الى الهاوية، ان امريكا تمهد مع الأسف لعالم بدون قيم . او بالاحرى بقيم بدون محتوى. هي ترفع شعارات الحرية ـ مثل تمثالها الشهير ـ لكنها لم تتحول الى ممارسة سياسية وحضارية. هكذا تكلم رجال ثلاثة اقدرهم واحترمهم .. والزمن اعطاهم الحق والمصداقية ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر