تسببت الانتفاضة في خسائر كبيرة لإسرائيل، الأمر الذي أدى بقادتها الى البحث عن المواجهة الكفيلة أما بوقف الانتفاضة، أو بتضييق الفرص التي تؤدي الى نزيف الخسائر، ومن خلال الصحافة الإسرائيلية وتتبعها منذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر عام 2000، سوف تكتشف عددا من الحقائق الهامة على هذا الصعيد، يأتي في مقدمتها ماعرف بعملية أورانيم وهي العملية أو الخطة التي تعني اعادة احتلال عدد من مدن الضفة الغربية والقضاء على السلطة الفلسطينية. ففي جريدة هآرتس بتاريخ 11/7/2001 نقلت الجريدة عن نشرة الفورين ريبورت التابعة لمجلة جينز التي تعتبر مجلة جدية جدا تفاصيل عن خطة شارون لاعادة احتلال عدد من مدن الضفة الغربية والقضاء المبرم على السلطة الفلسطينية في هذه النشرة جرى التطرق لحجم الخسائر حتى ألف قتيل فلسطيني، ومائة اسرائيلي الاستنتاج الاخير في المقالة كان مثيرا للاهتمام بشكل خاص، اذ جاء فيه أن الولايات المتحدة وبريطانيا والمانيا قد اعلمت بتفاصيل الخطة، لا بل واعطت الضوء الاخضر لشارون حتى يضرب عرفات ان لم يوقف الفلسطينيون العنف، والفرنسيون وحدهم عارضوا بشدة. وعند اعمال وتجسيد أورانيم ـ جهنم كما يحب عرفات ان يسميها ـ تم استخدام شبكة واسعة من العنف والقتل والاغتيالات والعمل على انهيار السلطة الفلسطينية، كل ذلك من أجل العودة الى مائدة المفاوضات تحت السقف الاسرائيلي. وكشف عن ذلك كوبي نيف بجريدة معاريف في تاريخ 24/5/2001 وتحت عنوان شارون يواصل سياسته في لبنان ويريد محو القضية الفلسطينية ان من اعتقد أن أرييل شارون لم يتعلم درسا من فشله الكبير في لبنان، يرتكب خطأ فاحشا. لقد تعلم وتعلم، ولكن استنتاج شارون من فشل لبنان هو ليس من الاستنتجات المألوفة، مثل انه لا يمكن فرض السلام بالقوة أو لا يمكن ابعاد القضية الفلسطينية عن فلسطين أو أن قصف المدن لا يحل مشاكل سياسية، أو أن مالا يحرز بالقوة لا يمكن ان يحرز بقوة أكثر. الحقيقة هي أن سياسته تجاه الفلسطينيين في الحرب الحالية تشبه تماما سياسته ازاء الفلسطينيين في حرب لبنان: انه يحاول أن يفرض السلام بالقوة، وهو يحلم بازالة القضية الفلسطينية من فلسطين، وهو يقصف المدن من أجل أن يحل مشاكل سياسية وحين لا تنفع المروحيات والرشاشات يستخدم الصواريخ والطائرات كل هذا لم يتغير لدى شارون، انه يعمل اليوم في غزة ورام الله بالضبط مثلما فعل في بيروت وصيدا ولا عجب في ذلك، لان شارون لا يعتبر أن وجهة نظره التي كانت أساس غزو لبنان، فشلت، بل أنه مؤمن ومقتنع بأن أي حرب كانت يخوضها هي اكثرحروب اسرائيل عدالة. دفن أوسلو وقد تضمنت أورانيم ـ ليس فقط الطائرات والبوارج والمدفعية ـ انما شملت على سياسة الاغتيالات اغتيال القيادات والناشطين في الانتفاضة، وقد كشف عن ذلك داني روبنشتاين في جريدة هاآرتس بتاريخ 6/3/2001 وحتى الآن لم يصدر أي تصريح رسمي من الحكومة الاسرائيلية يقضي باغتيال قادة الانتفاضة في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي تعرف بسياسة التجميد وكان قد اشار بعض المسئولين الاسرائيليين الى قيام الجيش الاسرائيلي بقتل وتشويه اشخاص في الضفة الغربية والذين تتهمهم اسرائيل بالوقوف خلف عمليات ضدها. ولكن الحكومة الاسرائيلية لم تظهر تفاصيل كاملة عن هذه السياسة، فلا توجد مثلا معلومات كاملة عن الأشخاص الفلسطينيين واعدادهم الذين تم اغتيالهم والقرارات التي تم اتخاذها لاغتيال أفراد منهم. لكن حاييم ميكيلوبسكي كتب في هاآرتس بتاريخ 11/3/2001 مناديا بدفن أوسلو واخراج القيادة الفلسطينية من المناطق المحررة كرد على الانتفاضة: آن الآوان لأن نقوم جميعا، بما في ذلك أولئك الذين أيدوا اتفاقيات اوسلو بالتفكير بجدية للسعي لانهيار السلطة الفلسطينية واخراج القيادة الفلسطينية من المناطق المدارة®. حين ننظر الى الوضع السائد الآن، من الصعب أن نعرف لماذا تريد قيادة السلطة تخفيض مستوى العنف. حسب رأي قادة السلطة فإن هذا المستوى من العنف يحقق لهم الفوز في هذه المرحلة لان ذلك سيجعل من اسرائيل تقدم لهم اقتراحات اكثر سخاء من كامب ديفيد هيا نغير المعادلة الآن ونعلن عن أن اسرائيل ترى بانهيار السلطة وخروج القيادة من المناطق المدارة هدفا ممكنا جدا وسواء نفذت اسرائيل نشاطات لتحقيق هذا الهدف أم لم تنفذها فإن الوضع سيتغير. أما ليمور شموئيل، وآخرون يكتبون شارحين خطة الفصل التي بدأ تنفيذها بعد موافقة شارون، وكان ذلك الشرح التفصيلي في جريدة يديعوت احرونوت 6/3/2001 خطة الفصل في خط التماس تنطلق واذا لم تطرأ تغييرات في اللحظة الاخيرة فان اعمال البناء التي تشمل وضع معوقات وابراج رقابة ووسائل الكترونية، وكان حرس الحدود قد اضطروا الى ان يعيدوا لثلاث مرات صياغة خطة الفصل التي تدعى خطة ميتسديم، وفي كل مرة تكون فيها الخطة جاهزة تتغير الحكومة وتنشأ ضرورة لملائمتها مع البرنامج السياسي الجديد ـ مع رابين حتى شارون وقال العميد جاب أورجيل المسئول عن المشروع ان الخطة هي حل لا يشير الى توجه سياسي ولكنه يوفر درجة سيطرة جيدة جدا على منطقة الوسط الخاصرتين الضيقتين لاسرائيل وهي المنطقة التي فيها عرض اسرائيل صغير جدا وفي اطار الخطة ستتم اقامة معوقات فقط في المناطق التي تسمح بذلك من طبيعة الارض ودخول السيارات والحركة من تجاه الضفة الغربية الى اسرائيل ستقتصر على عدد محدود من المحاور التي ستقام فيها المعابر المنظمة مثل المعابر الحدودية في الجدار المحيط بقطاع غزة، وستقام بين محاور الحركة هذه وفيما يلي جزء من الوسائل التي ستوضع على طول خط التماس: مكعبات اسمنتية لاغلاق الطرق، معوقات مثل اكواب التراب، والاعمدة الحديدية، ابراج رقابة، دوريات مكثفة في المنطقة، اجهزة الكترونية وكاميرات تصوير، ورغم ان قادة اسرائيل والخبراء العسكريين يعلمون جيدا انه لا توجد حتى هذه اللحظة أية عمليات أو أسلحة لوقف العمليات الاستشهادية واعمال المقاومة الا انهم يحاولون تجريب كل مايتفتق ذهنهم الشرير عنه، وكان اكثرهم وضوحا في الفصل سجي كوهين عندما نادى بذلك وبوضوح في معاريف بتاريخ 3/6/2001 قائلا لا خيار امامنا سوى ان نقول الأمور على حقيقتها: وهي انه اذا كانت اسرائيل تستطيع تصفية منفذيها واضعاف قدرة المنظمات الارهابية على تنظيم بنى تحتية تدعم الارهاب الا انها لم تتخذ تلك الخطوات ومن ثم فهي حكومة قاتلة وليست لها الأهلية للحكم. ومن الافضل لنا ان نستغل الحكومة لحظة الالم الفظيع الذي يلم بنا وتبدأ في اتخاذ ماهو اشد وضوحا لنا الآن وهو الحل الاحتمالي الوحيد: الفصل. وفي تاريخ 16/2/2001 يطرح زئيف شيف في هآرتس سؤالا لماذا لو انهارات السلطة الفلسطينية؟ لو استمرت الهجمات الفلسطينية فسوف تطرح حكومة شارون مسألة التعجيل بعملية انهيار السلطة. في البداية سألوا هل انهيار السلطة الفلسطينية سيمنح ميزة لاسرائيل أم يثقل عليها. أما الآن فهناك من يتسائلون هل وجود السلطة الفلسطينية الحالية ميزة لاسرائيل أم أنها مصدر للشر؟ يمكن أن يأخذ انهيار السلطة الفلسطينية صورا مختلفة: اختفاء النشاط الحكومي رويدا رويدا، توقف دفع الرواتب، عدم تحصيل الضرائب، انهيار هيئات توريد الاغذية، اهتزاز القانون والنظام والفصل بين الوجود المادي للسلطة في غزة حيث توجد كل المؤسسات ويوجد الرئيس عرفات ويبين نفوذ السلطة في الضفة الغربية. الطبيعة الحمراء لكن من الواضح ان عملية انهيار السلطة الفلسطينية درست بعناية في أوساط أجهزة المخابرات العسكرية والامن العام ومراكز البحوث الاستراتيجية ولم يتم استبعادها، وانما تم استبعادها مؤقتا الى ان تسمح الظروف الدولية والاقليمية والفلسطينية بقبول البديل، والأهم من ذلك ثقة اسرائيل في أن يكون البديل متوافقا مع الحل الاسرائيلي أو السلام الاسرائيلي. وفي دائرة التفكير الاسرائيلي وبالتالي في الصحافة الاسرائيلية كتعبير بدرجة ما عن هذا التفكير قد تم تناول العمل على اغتيال عرفات وهل ذلك سيكون له اثر جيد على التسوية أم سيئ، وعن ذلك كتب اوري افنيري في معاريف 5/3/2001 ان اغتيال عرفات سيدخله البانثيون معبد كبير لاكرام آلهة الرومان العالمي لمقاتلي الحرية الذي قادوا شعوبهم طوال عشرات السنين وضحوا بحياتهم على مذبح الحرية وسيذكر مئات من السنوات بعد أن يغوص شاؤول موفاز في غياهب النسيان وسيقوى نموذجه الشخصي من عود شعبه وسيزيد توازنه ضد الاحتلال اضعافا مضاعفة، سيكون عرفات الميت اكثر خطورة من عرفات الحي على نظام الاحتلال. كما تناول ذلك بن كسفيت بجريدة معاريف بتاريخ 16/7/2001 وضعت على طاولة شارون مؤخرا وثيقة اعدها جهاز الأمن العام في أكتوبر الماضي اعدت الوثيقة حسب طلب رئيس الحكومة آنذاك ايهود باراك تحت عنوان «عرفات ذخر أم عبء» وخلصت الوثيقة الى استنتاج بان عرفات هو الآخر الاشد على أمن الدولة حيث ان اضرار اختفائه اقل من اضرار وجوده®. ليس كل كباراجهزة الأمن يعتقدون انه يجب التخلص من عرفات، لقد طلب وزير الدفاع بن اليعازر ابحاثا مفصلة من أوساط مختلفة، طلب من رئيس الشاباك السابق يعقوب بيري ومن رجل الشاباك سابقا الخبير بشئون عرفات يوسي غينوسار ان يعد له دراسة تتضمن أفكار الحلول والسيناريوهات. أما يوسف جورني كتب مناديا بالعودة الى مائدة المفاوضات في جريدة هاآرتس 13/8/2001 وذلك بعدما استعرض كل الحروب التي خاضتها اسرائيل من حرب 1948 التي أدت الى قيام الدولة الاسرائيلية وحرب 1956 والتي رفعت اسرائيل الى مصاف الدول الاقليمية وحرب 1967 التي انتهت بفوز ساحق ووسعت من حدود الدولة واعطتها أوراقا عديدة للتفاوض، وحرب 1973 التي أكدت للدول العربية انها غير قادرة على اخضاع اسرائيل، اما حرب لبنان فقد كشفت لاسرائيل أن الدول الكبرى لا تستطيع أن تهزم حركة تمرد ومقاومة شعبية، أما الحرب الحالية التي تواجهها اسرائيل الآن تقف فيها لأول مرة دولة يهودية قانونية ودولية فلسطينية ذات سيادة محدودة مكتملة النشوء في وعي مواطنيها، وفقط من يفتقد الوعي التاريخي والفهم السياسي يستطيع أن يفترض ويأمل أن تتفكك هذه الدولة نتيجة الضربات التي تلقتها المروحيات الاسرائيليات وكل من يعتقد أن الفلسطينيين سيأتون مستسلمين خاضعين الى مائدة المفاوضات يشبه الملوك البوربونيين في انجلترا الذين قيل عنهم انهم لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا، هذه حرب غير قابلة للحسم لابد من الاعتراف بذلك، بعدها لابد من العودة الى المفاوضات مشترطين على الدول الصناعية المشاركة في عملية السلام تقديم المساعدة الاقتصادية للفلسطينيين من اجل التخفيض في أزمتهم. اذن في مواجهة الانتفاضة كل شئ مطروح للبحث والتنفيذ من خطة أورانيم وماتحتويه من عنف وفصل اغتيالات العمل على انهيار السلطة واغتيال الزعيم الفلسطيني أبوعمار الذي قبل أن يكون موقعا معهم على مسار التسوية، وبعد كل ذلك العودة الى مائدة المفاوضات. لقد كشفت انتفاضة الأقصى عن استمرار الاستراتيجية العليا للحركة الصهيونية، وكذلك استراتيجيتها العسكرية والتي تقوم على الهجوم المباشر عبر امتلاك زمام المبادرة دائما في العمل العسكري، وقد تم تطبيق تلك الاستراتيجية طوال المائة عام الممتدة منذ مؤتمر بال عام 1897 حتى الآن، وتستند تلك الاستراتيجية على الايديولوجيا الصهيونية ومايترتب عليها عند تطبيق العقيدة الصهيونية بيد ان انتفاضة الأقصى قد كشفت عن أعلى ذرى الممارسة الصهيونية على ساحة العمليات القتالية ـ حتى في حالة كون الفلسطينيين عزل من السلاح ـ وهو مايتخذ عمليا صورة المذبحة وبالفعل فقد كانت المذبحة واحدة من أهم المشاهد في العقل العسكري الصهيوني: دير ياسين ـ قبيه ـ قتل اسرى الحروب مع العرب ـ صبرا وشاتيلا ـ قانا ـ المسجد الاقصى ـ بحر البقر ـ أبوزعبل. وتؤكد ممارسة المذبحة في الفكر العسكري الصهيوني المولود من العقيدة الصهيونية التلازم بين الصهيونية والعنف والحرب وتثبت المقولات الأولى لجابوتنسكي ومناحم بيجين وغيرهم من الاستراتيجيين الاسرائيليين والمؤمنين بأن الطبيعة الحمراء من الناب والمخلب. ـ كاتب سياسي مصري