جينة الوفاء نادرة لا يزرعها الدهر في كل الأزمنة، ولا يبتلى بها كل الناس. تختار ان تكون هذه الجينة في تربة صعبة المواصفات، انها نبتة ثقيلة عميقة الجذور كثيرة المطالب لا ترضى الا بالنفوس الكبيرة. لا أحد لا يتمنى الوفاء، ان يكون فيه أو له، لكن ليس كل من يتمنى يمكنه ان يحمل أو يتحمل اعباء ومطالب الوفاء. ان ما يطلبه الوفاء صعب، وقد يبدو في حالات مطالب مستحيلة، لهذا كانت انباء الوفاء قليلة في مسيرة التاريخ عكس أخبار الغدر وقلة الوفاء ما اكثرها وما أغربها، انها في كل التاريخ. هذا الشاعر الامير الأسير صاحب «الروميات» أبو فراس الحمداني، هناك وراء قضبان السجن هاجت نفسه المقيدة بالتعب والحنين والحرمان، زاد الوله فيه للأهل والوطن والذكريات. ارسل رائيته الحزينة، واحدة من اجمل وأروع القصائد التي حفظها ديوان اشعار العرب. ان الامير فيها مثل كل الناس عندما يدخلهم الغرام، تفيض مشاعرهم بالعتب وآيات العشق، فكيف اذا اجتمع الحب والقيد. لكنه امير حتى في قلبه لا يرضى إلا الشموخ والمكانة العالية. في الرائية الرومية يتحدث عن الوفاء، يكرره في أكثر من بيت، يذكّر فيه. في حالات الحب، وفي تذكره لأهله وفي وصفه للشجاعة، واعتداده بنفسه. حديث الوفاء رسائل رمزية حملّها القصيدة وأرسلها الى الجميع وأولهم ابن عمه الحاكم سيف الدولة الحمداني: بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ولكن مثلي لايذاع له سر حفظتُ وضيعتِ المودة بيننا وأحسن من بعض الوفاء لك الغدر وفيت وفي بعض الوفاء مذلة لإنسانة في الحي شيمتها الغدر امرأة من الشام في عهد سليمان بن عبدالملك، ارادت ان تعطي امير المؤمنين درساً في الوفاء، فحدث ان خرج الامير ذات يوم ومعه يزيد بن المهلب، فإذا امرأة جالسة على قبر تبكي. قال سليمان: فرفعت البرقع عن وجهها فحكت شمسا عن متون غمامة، فوقفنا متحيرين ننظر اليها، فقال لها يزيد: يا أمة الله هل لك في امير المؤمنين بعلاً؟ فنظرت اليهما ثم انشأت تقول: فان تسألني عن هواي فانه يجول بهذا القبر يافتيان واني لاستحييه والتراب بيننا كما كنت استحييه وهو يراني! واقعة اخرى تذكرها كتب التاريخ تحمل حديث الوفاء وما يفعله في النفوس، وكيف ان شفاعة الوفاء تحلّ بصاحبها وتحمل له جميل صنعه ومعروفه، ولو بعد حين. حادثة يرويها خادم أمير المؤمنين المأمون، يقول طلبني الامير ذات ليلة وقد مضى من الليل ثلثة، فقال لي خذ معك فلانا وفلانا وسماهما، واذهب مسرعا الى ما اقوله لك، فانه قد بلغني ان شيخاً يحضر ليلا الى دور البرامكة وينشد شعراً وينبههم ويبكي عليهم ثم ينصرف، فاذهبوا واستتروا خلف بعض الجدران، فاذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وانشد شيئاً فأتوني به. قال الخادم: فمضينا وأتينا الخرابات، واذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساط وكرسي حديد، واذا الشيخ وسيم له جمال وعليه مهابة ووقار، قد أقبل فجلس على الكرسي وجعل يبكي ويقول: ولما رأيت السيف جندل جعفرا ونادى مناد للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وزاد تأسفي عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا فلما فرغ ـ يقول الخادم، قبضنا عليه وقلنا له اجب امير المؤمنين، ففزع الشيخ فزعا شديداً، وقال دعوني حتى أوصي فاني لا أوفن بعدها بحياة، فأخذ ورقة وكتب فيها وصيته ودفعها الى غلامه. ثم سرنا فلما مثل بين يدي امير المؤمنين زجره وقال له: من انت، وبماذا استوجبت البرامكة منك ما تفعله في خرائب دورهم وما تقوله فيها؟ قال الخادم ونحن وقوف نسمع، فقال: يا امير المؤمنين انا المنذر بن المغيرة من اولاد الملوك، وقد زالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال، فلما ركبني الدين واحتجت الى بيع مسقط رأسي، ورؤوس اهلي، اشاروا علي بالخروج الى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبياً وصبية وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد، فدعوت بثويبات لي كنت قد اعددتها لاستمنح بها الناس فلبستها وخرجت وتركتهم جياعاً لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد، اسائل عن دور البرامكة، فإذا انا بمسجد مزخرف وفيه مئة شيخ بأحسن زي وزينة وعلى الباب خادمان، فطمعت في القوم وولجت المسجد وجلست بين ايديهم وانا اقدم واؤخر والعرق يسيل مني لانها لم تكن صناعتي، واذا بخادم قد اقبل فدعا القوم فقاموا وانا معهم، فدخلوا دار يحيى بن خالد، واذا بيحيى جالس على دكة له في وسط بستان وبين يديه عشرة من ولده، فسلمنا عليه، واذا غلام أمرد يقبل علينا ومع مئة خادم، مع كل واحد منهم مجمرة من ذهب عليها قطعة من عود ومثلها من العنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام، ثم قال يحيى للقاضي: تكلم وزوج ابنتي عائشة من ابن عمي هذا. فخطب القاضي وزوجه وشهد اولئك الجماعة، واقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر. يقول الوليد: فالتقطت والله يا امير المؤمنين مك كمي، وخرج الينا مئة واثنا عشر خادما مع كل خادم صينية من فضة عليها الف دينار من ذهب، فوضعوا بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يصبون الدنانير في اكمامهم ويجعلون الصواني تحت اباطهم، ويقوم الاول فالأول، حتى بقيت وحدي بين يدي يحيى لا أجسر على اخذ الصينية، فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي واخذت الصينية في يدي وقمت وجعلت التفت الى ورائي مخافة ان امنع من الذهاب بها، فبينما انا كذلك في صحن الدار ويحيى يلحظني، اذ قال للخادم إئتني بذلك الرجل، فرددت اليه فأمر بصب الدنانير والصينية، ثم امرني بالجلوس، فقال لي ممن الرجل، فقصصت عليه قصتي، فنادى على ولده موسى، فقال له يا بني هذا رجل غريب، فخذه اليك واحفظه بنفسك وبنعمتك، فقبض موسى على يدي وادخلني داره، فأكرمني غاية الاكرام، واقمت عنه يومي وليلتي في الذ عيش وأتم سرور ثم سلمني الى اخيه العباس وفعل مثل ذلك، وبعدها سلمني الى اخيه احمد وفعل مثلهما، فلم ازل في ايدي القوم يتداولوني عشرة ايام لا اعرف خبر عيالي وصبياني افي الاموات هم ام في الاحياء، فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم فقال لي قم فاخرج الى عيالك بسلام. فقلت واويلاه سلبت الدنانير والصينية واخرج الى عيالي على هذه الحالة انا لله وانا اليه راجعون، فرفع الستر الاول ثم الثاني والثالث، فلما رفع الخادم الستر الاخير رأيت حجرة كالشمس حسنا ونورا واستقبلني فيها رائحة الند والعود ونفحات المسك، واذا بصبياني يتقلبون في الحرير والديباج وحمل اليّ الاف الدراهم والدنانير ومنشورين بضيعتين وتلك الصينية التي اخذت مني بما فيها. واقمت يا امير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس امن البرامكة انا ام رجل غريب اصطنعوني، فلما جاءتهم البلية ونزل بهم من امير المؤمنين الرشيد ما نزل، اجحفني عمرو بن مسعدة، والزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل علي الدهر كنت في اواخر الليل اقصد خرابات القوم فأندبهم واذكر حسن صنيعهم الي. فقال المأمون علي بعمر بن مسعدة، فقال له يا عمرو: أتعرف هذا الرجل. قال نعم يا أمير المؤمنين هو بعض صنائع البرامكة. قال كم ألزمته في ضيعته، قال كذا وكذا، فأمره امير المؤمنين ان رد له كل ما استأديته منه في مدته، ووقع له بهما ليكونا له ولعقبه من بعده، فعلا نحيب الوليد وبكاؤه، فلما رأى المأمون كثرة بكائه، قال له: يا هذا قد احسنا اليك فلم تبكي؟ قال يا أمير المؤمنين وهذا ايضا من صنائع البرامكة! اذا لم آت خراباتهم فأبكيهم واندبهم حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين ففعل ما فعل فمن أين كنت اصل الى أمير المؤمنين؟ فدمعت عينا المأمون وظهر عليه حزنه، وقال: لعمري هذا من صنائع البرامكة، فعليهم فابك واياهم فاشكر ولهم فاوف ولاحسانهم فاذكر. Shmitrif@Hotmail.com