فتحت الباب لأجد أمامي فتاتين صينيتين تبتسمان بطريقة سينمائية وكأني مهرج خرج من كواليس المسرح، وقبل أن ابادرهما بالسؤال عما تريدانه أخرجت احداهما من كيس بلاستيكي مجموعة ساعات براقة وراحت تعرضها امام ناظري ثم تناولها لزميلتها التي تعيدها الى كيس آخر تحمله، وخلال بضع دقائق كانت قد عرضت أمامي مجموعة ساعات من مختلف الاحجام والاشكال والانواع وجميعها تحمل اسماء ماركات مشهورة في عالم الساعات، وخلال ذلك انضم الي الاطفال وأمهم الذين حشروا انفسهم بيني وبين الصينيتين وسألوني: شو عم بيبيعوا؟ قلت ساعات، فشهقوا: بابا اشتري لنا ساعات، فأدركتْ الصينيتان ان كفة التجارة مالت لصالحهما، لذلك اخرجتا من حقيبة مركونة في الخلف كيساً ثالثاً فيه ساعات مخصصة للاطفال وراحت تدسانها بين ايدي الصغار فاختارت الكبرى ساعة زرقاء، والصغرى ساعة زهرية في حين اكتفى الشقيق الاصغر بجسّ الساعات بفمه حيث كانت هذه وسيلته الوحيدة لاكتشاف قيمة الاشياء أو ربما معرفة الوقت، بينما انشغلت والدتهم باختيار ساعة ألماسية اللون لتتناسب مع خاتم وعقد أهديا اليها مؤخراً حتى يبدو الامر وكأنها تمتلك مصاغاً ألماسياً يقدر برقم فلكي. الصينيتان انفرجت اساريرهما لدى الهجوم العائلي على بضاعتهما لذلك قالتا لي بانجليزية مضعضعة: ان كل ساعة بـ «ون هاندرد درهمز»! وهذا يعني ان علي ان ادفع ثلاثمئة درهم ثمناً لساعات براقة مقلدة سريعة العطب وربما فيها بودرة الجمرة الخبيثة ولا مكان لها في الأدراج المكتظة بأشياء مماثلة من أسواق رخيصة. قلت لسليلتي (صن لي صن) ان الواحدة لا تساوي اكثر من عشرة دراهم، فاندهشتا وشهق افراد عائلتي لهذا الفارق العظيم بين السعرين، واخذت ألملم الساعات لأعيدها اليهما، ولكنهما أسرعتا بالقول: خمسون درهماً للواحدة، فهززت رأسي دليل عدم الموافقة، قالتا مئة درهم للساعات الثلاث، دفشت الأولاد الى الداخل وهممت باغلاق الباب، خمسون درهما للساعات الثلاث. نظرتْ إلي ام الأولاد واعلنت بكبرياء زوجة رجل محترم، خلصنا اعطيهن المصرات فأذعنت لرأيها واعطيت الصينيتين خمسين درهما، وكدت ان اغلق الباب لولا ان احداهما اخرجت لي ولاعة من كيس آخر فقلت: لا ادخن، فسارعت الى اخراج قلم من الكيس ذاته، طبعاً لم استطع القول «لا أكتب» لذلك تناولت القلم وفحصته وكبسته ففرط زنبركه بين اصابعي، فأخذته مني واعطته لزميلتها واخرجت واحداً آخر وكان واضحا من شكله انه اقل شأنا من سابقه فلم يعجبني، ويبدو انها ادركت ألاّ حظوظ لأقلامها معي لذلك اخرجت من جرابها السحري ميدالية كالحة تمثل برجاً صينياً، فلم استسغها، فناولتها الى زميلتها (اعتقد انها شقيقتها التوأم) لان الصينيين متشابهون في الشكل تماماً وهذا يفسر لي انني رأيتهما من قبل ربما في فيلم سينمائي أو في احدى المجلات أو ربما صادفتهما في مكان ما، كانت البائعة قد اخرجت من جرابها السحري نظارة شمسية باطار ذهبي وناولتني اياها وهي تقول: فايف درهمز، قلبتها هكذا.. وهكذا، وكدت ان اضعها على عيني لولا ذلك الغبار الأصفر الذي علق على اصابعي، فأدركت انني لو استعملت هذه النظارة لفقدت بصري بعدها مباشرة، فأعدتها اليها، ولم يثبط ذلك من عزيمتها في عرض بضاعتها لانها اخرجت من كيسها السحري مصباحاً صغيراً يصدر موسيقى كلما اشعلت الضوء ودفعته إلي وهي تقول: ثري درهمز، قلت لها: لا احتاجه، قالت: تو درهمز وقبل ان امسك به جاءني صوت زوجتي من الداخل: اختك على التليفون. فأغلقت الباب، نعم هكذا خبطته خبطاً، فانغلق وهو يئن أنيناً. وعلى ذكر الانين علقت بذهني اغنية «سمعت عنين الناعورة، عنينها شغلي بالي، هي عنينها على الميه، وانا عنيني على حالي» وكنت وقتها ذاهباً الى الرولة لشراء ثلاث بطاريات للساعات الصينية لأنها توقفت عن العمل في اليوم نفسه وسأدفع ثلاثين «درهمز» ثمناً للبطاريات الثلاث ولن يكون الحال افضل بعد غد لانني سأعود الى الرولة لشراء ثلاثة أحزمة جلدية للساعات الثلاث لأنها تقطعت في المساء، وسأدفع ايضاً ثلاثين «درهمز» وهذا يعني ان الساعة الواحدة كلفتني حوالي سبعين درهماً.. وهذا يعني ايضاً ألاّ تفتح بابك لصينية.. لانها قد تبيعك فناجين! E.MAIL:H-S-D@ MAKTOOB.COM