حالة الاغراق الاعلامي التي يعيشها الجميع هذه الايام، ستنعكس سلباً بالتأكيد على معنويات الناس، وعلى امزجتهم واندفاعاتهم في كل الاتجاهات، خاصة وان هذا الاغراق يتجه نحو المأساة والكارثية، مما شكل لدى الناس في المجتمع شعوراً بتدني المعنويات نلحظه منذ الدقيقة الأولى في أول حوار مباشر أو عبر الهاتف! وحقيقة الأمر وبدون مبالغات، فنحن على امتداد جغرافية الوطن نلتصق بالقنوات الفضائية وبنشرات الاخبار وبالصحف بشكل مرضي أحيانا، نهرب من المأساة إليها، ومن صورها بأن نغطي وجوهنا بصور الضحايا والشهداء والنساء الباكيات والاطفال الذين ينبشون أكوام القمامة بحثا عن طعام، او اولئك الذين يبحثون في عمق الانقاض عن شيء ضاع للأبد!! هذا الهروب اليومي للبكاء والحزن والمأساة سيخلق ـ ان لم يكن قد خلق فعلاً ـ حالة من الاكتئاب الجماعي، وسنحتاج الى دراسات معمقة لكيفية الخلاص منه، ووضع ارشادات ونصائح وصرف أدوية عالية التكاليف للتغلب على اثاره مستقبلاً، حيث ستنعكس آثاره على العلاقات الانسانية في المجتمع وعلى انتاجية الفرد وعمله. تحدثت الى اصدقاء كثر، وكلهم منذ اللحظة الأولى بدت نبرات أصواتهم تنبئ بحالة واضحة من عدم الحماس أو التعب أو الملل أو الحزن، كانوا ينكرون في البداية حين تسألهم عما بهم، وكأنهم يرفضون الحالة، لكنهم سرعان ما يعترفون أخيراً بأنهم بحاجة الى عملية انقاذ سريعة لمعنوياتهم! ان الجميع بحاجة لأن يفرحوا من أعماقهم، لأن يقبلوا على نهارهم بحماس، وعلى أعمالهم وأصدقائهم بحب، وعلى أنفسهم برضا، وعلى الدنيا بلهفة وشوق، لكن شيئا ما يطبق على أنفاس الكون، يمنع كل ذلك، فكيف يمكن ان تبتسم، وان ترسم اللهفة وتلوّن الأيام بالفرح والضحك والصخب، وأنت قابع أمام شاشات لامعة لا يفعل مذيعوها شيئا سوى زيادة همك ورعبك وقلقك وعجزك، مقتنعين بأنهم يقدمون لك خدمة جليلة بوضعك في قلب الحدث!! قلت لاصدقاء كثر، الدنيا جبلت منذ الازل على ثنائية الصراع بين الخير والشر، ودائماً هناك من يموت وهناك من يطلق الرصاص، ومن يريد ان يتكلم بينما يطبق الآخرون على انفاسه كي لا يفعل، ومعروف منطقا بأن ليس كل الذين قتلوا عبر تاريخ البشرية مجرمين أو ارهابيين، كما ان ليس كل من اطلق الرصاص وكمم الأفواه خدّام عدالة أو منفذي حكم الله، ان منطق القتل لا منطق له، ومنطق مصادرة الحرية هو منطق الاقوياء الذين يسيرون على حافة الانهيار، ومعروف بأن لغة الحياة أقوى من لغة الموت وعادة ما تنمو الأزهار في عمق رماد البراكين! قلت لأصدقاء آخرين، اذا اطبق عليكم الملل أو الحزن فلا تلتصقوا بالشاشات وأصوات المدافع، لأنكم لن تفعلوا شيئا سوى مراكمة أحزانكم، افعلوا ما يجب ان تفعلوه لهؤلاء الذين يستحقون عونكم ودعمكم، اهتموا بأخبارهم جيدا لأنه (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) كما قال عليه الصلاة والسلام، لكن انطلقوا في الحياة بقوة، تمتعوا مع اصدقائكم بأوقات جميلة بعيدا عن الحزن والتلفزيونات ونشرات اخبار القتل كل يوم، «روحوا عن النفوس ساعة بعد ساعة فان النفوس إذا كلّت عميت». هناك أماكن جميلة، واصدقاء حميمون، ومساءات حلوة، وصباحات احلى، هناك أحاديث تبعث الأمل، وتجمل الوقت ونحن جميعاً بحاجة للأمل وللجمال وللمحبة وليد تمتد نحونا ولصوت ينادينا: صباح الخير بكل دفء الدنيا أو مساء الخير بكل صدق الأحباب. Aisha@albayan.co.ae