قبل ان تعلن الادارة الامريكية ان وراء انتشار حالات الاصابة بمرض «الجمرة الخبيثة» داخل الولايات المتحدة تدبيرا ارهابيا كما ورد على لسان وزير العدل جون اشكروفت، كان يتعين عليها ان تشرح للعالم لماذا امتنعت هذه الادارة قبل ثلاثة أشهر عن التوقيع على بروتوكول دولي يتضمن اجراءات عملية قانونية لتطبيق «اتفاقية الاسلحة البيولوجية» ـ تلك الاتفاقية الدولية التي اعدتها الأمم المتحدة لحظر الحرب الجرثومية. وهذه ليست المرة الوحيدة التي تخرج فيها واشنطن على الاجماع الدولي عندما يتعلق الامر بترتيبات تهدف الى حماية الحياة البشرية، لكن الولايات المتحدة ترفضها لغرض حماية مصالح ذاتية حتى لو تعارضت هذه المصالح مع المصلحة العالمية العامة. لقد خرجت «اتفاقية الاسلحة البيولوجية» الى حيز الوجود قبل ثلاثين عاما، وطوال هذه الفترة الطويلة ظلت حبرا على ورق لأن الولايات المتحدة لا تكف عن وضع عراقيل لمنع انتقالها الى دائرة التطبيق العملي. اما الحجة الامريكية لتبرير هذا المسلك الشاذ فهي بمثابة عذر اكبر من الذنب. فالبروتوكول الدولي المقترح لوضع الاتفاقية موضع التطبيق يشتمل اساسا على اجراءات تفتيش تسمح قانونا لمفتشين دوليين بفحص مخزونات اي دولة، صغيرة او كبيرة، من المواد البيولوجية لتحديد ماهو مشروع وماهو غير ذلك. وملخص الحجة الامريكية هو انه لا الاتفاقية ولا بروتوكولها يضع الحد الفاصل الدقيق بين مواد تستخدم للاعداد لهجوم جرثومي واخرى تستخدم لاغراض صناعية مشروعة مثل ابحاث صنع الادوية والعقاقير. وبما ان هذه الحجة كان من المتاح التغلب عليها عن طريق اتفاق بين الدول لاجراء التعديلات اللازمة على نصوص الاتفاقية الدولية والبروتوكول فان الاصرار عليها بعناد واتخاذها كذريعة للرفض فان المسلك الامريكي يحمل على الاعتقاد بأن للولايات المتحدة هدفا خفيا مريبا. وهذا الهدف غالبا ما يكون ان يتوافر لامريكا، استعداد لشن حرب جرثومية خارجية في وقت ما في المستقبل اذا تراءى لها ان ذلك ضروري. غير ان الموقف الامريكي لا يتوقف عند حد رفض الاجماع الدولي حول امر بهذه الخطورة على الحياة البشرية. فالولايات المتحدة تذهب ابعد من ذلك باتخاذ اجراءات عقابية ضد دول مصنفة امريكيا كعدو ـ لسبب أو آخر يتعلق بالمصالح الدولية الامريكية ـ بصورة انتقائية فاضحة تحت اسم «مكافحة اسلحة الدمار الشامل» فبينما تقول تقارير الامم المتحدة ان من بين الدول التي تملك اسلحة بيولوجية لشن حرب جرثومية الصين وكوريا الشمالية وروسيا واسرائيل وتايوان والهند وباكستان وكازخستان ـ بالاضافة الى الولايات المتحدة بالطبع. لكن واشنطن حين تتحدث عن الحرب الجرثومية في سياق اسلحة الدمار الشامل بلهجة اتهامية فانها لا تشير الا الى العراق. والرفض الامريكي للاجماع الدولي لا يقتصر في الحقيقة على مجال الاسلحة البيولوجية. فالولايات المتحدة التي لاحقت رئيس يوغسلافيا السابق سلوبودان ميلوسيفتش لتقديمه الى محاكمة دولية ترفض المعاهدة الدولية لانشاء محكمة جنائية عالمية تحوطا ضد تقديم مسئولين امريكيين اليها مستقبلا. وانسحبت واشنطن من بروتوكول كيوتو لخفض انبعاثات ثاني اكسيد الكربون في العالم حتى لا تتأثر سلبا صناعة انتاج السيارات الامريكية، وتهدد واشنطن بالغاء معاهدة مناهضة الصواريخ البالستية من اجل مشروعها الخاص الذي يطلق عليه «الدرع الصاروخية» كما عارضت مشروعا دوليا لتقييد تجارة تهريب الاسلحة الصغيرة حتى لا تتأثر مصانع انتاج الاسلحة الامريكية. وهكذا تقف الدولة العظمى في العالم ضد العالم بأسره عوضا عن ان تكون نموذجا للانضباط فهل هي جديرة بقيادته حقا؟