مع كثرة الحديث عن عالم معولم اقتصاديا وأمنيا وإعلاميا ظهرت مفردات كثيرة تحاول وصف ملامح التغير، ورمزت حركة تفتت الدول إلى اتجاه عكسي تماما، وقد تنبأ الكثيرون بتحطم البنية التقليدية للدولة / الأمة لتحل محلها كيانات أكثر تناغما وأقل مركزية فتنبأ الفرنسي جان ماري غاينهو في كتابه «نهاية الدولة الأمة» بأن تسقط الدولة ويحل محلها عصر استعماري جديد تكون أداته الرئيسة شبكة الاتصالات والمؤسسات الإعلامية، فالعالم أصبح قادرا على بناء مجتمعات أكثر تحررا من قيود الجغرافيا والسلطة المركزية. لقد كان عدد دول العالم عند اندلاع الحرب العالمية الأولى 62 دولة، ومع انتهاء الحرب الباردة أصبح العدد 193 دولة بينها 35 دولة يقل عدد سكانها عن نصف المليون نسمة، وحسب دراسة لرئيس دائرة العلاقات الدولية بجامعة بوسطن الأمريكية فإن استمرار تفتت الدول القائمة يمكن أن يرفع عدد دول العالم إلى 3500 دولة فهل تحول العالم إلى قرية صغيرة حقا؟. لقد أصبح الإنسان أكثر قدرة على معرفة المعلومات في وقت أقل من ذي قبل، لكنه أصبح قادرا على معرفة ما هو متاح بالفعل بينما تطل السرية برأسها من شقوق عديدة لتضيق المساحة المتاحة ابتداء أمام أجهزة الإعلام . وطغت الاعتبارات المهنية والاقتصادية على عمل أجهزة الإعلام التي تزايدت قدرتها على التأثير في القرار السياسي وصناعة الرأي العام. لكن أجهزة الإعلام التي اختصرت المسافة زمانا ومكانا صنعت مسافات وحواجز أخرى بين الشعوب والثقافات وعززت الاختلافات، وبتركيزها على ما يحقق الإثارة، بدوافع مهنية وسياسية معا، جعلت «القرية الصغيرة» في حالة تدافع خشن بالمناكب بين المصالح المتناقضة والمذاهب المختلفة ووفرت رصيدا لفكرة الصراع . والأزمات الكبرى العالمية غالبا ما تكشف عن مواطن الخطر في بنية النظام، وما تشهده الولايات المتحدة في إطار حملتها العسكرية على أفغانستان من جدل حول حدود الأمن وحدود الحرية منعطف سيترك آثارا عميقة، لا في الولايات المتحدة فحسب بل في العالم كله فقد أثبتت تجربة العقدين الماضيين إلى أي حد يمكن أن تكون أجهزة الإعلام سلاحا ذا حدين . فمثلا درجة الانتشار التي حققتها فكرة مثل صراع الحضارات التي ظهرت للمرة الأولى في صيف 1993 حققت بفضل وسائل الإعلام، خلال أقل من عقد من الزمان ما لم تحققه خلال عقود عديدة أفكار أخرى من الأفكار التي ظهرت قبل بدء العصر الذهبي لوسائل الإعلام وانتشارها يشير أيضا إلى أهم سمات المزاج العقلي والنفسي الذي تساهم أجهزة الإعلام في صناعته، فالمنتج الإعلامي سطحي بقدر ما هو براق، ضيق الأفق بقدر ما هو واسع الانتشار، وهنا مكمن الخطر . فالعالم قرية صغيرة، ليس فقط لأن السلع تعبر الحدود بسرعة أكبر وسهولة أكثر، ولا لأن البث المباشر حطم سيادة الدولة بل لأن التقنية العسكرية حطمت هذه السيادة ـ عمليا ـ بالصواريخ عابرة القارات وأقمار التجسس والاستطلاع فائقة القدرة . قد تكون «القرية الصغيرة» منحت البسطاء المباهج الساذجة التي يحلمون بها من منتجات استهلاكية غربية لكنها مكنت من يريد من الضعفاء أن يهدد أمنها، ففي عصر الإمبراطوريات لم يكن بإمكان فرد أو مجموعة صغيرة أن يلحق بأي منها واحد على ألف من الخسائر التي نجمت عن حادث كالذي شهدته الولايات المتحدة مؤخرا، وبالتالي فإن أجهزة الإعلام صنعت قرية صغيرة لكنها وضعت في داخلها أسباب انفجارها، فالتراكم المعرفي متسارع بوتيرة كبيرة والمسافات تتلاشى، لكن الحواجز لا تتلاشى. وحيث إن العودة إلى عصر الإمبراطوريات لا يبدو ممكنا فإن المشكلة تظل قائمة. ـ كاتب مصري