لم تستطع الصحف الاسرائيلية ان تخفي تاثير الانتفاضة الفلسطينية القوي على اسرائيل، واذا كنا في الحلقة الماضية من الحديث عن الانتفاضة في الصحافة الاسرائيلية قد تناولنا رؤية شارون للتسوية ففي هذه الحلقة يمكن الربط بين هذه الرؤية وبين تأجج واستمرار الانتفاضة وتاثيرها على اسرائيل من كافة الجوانب، وعبر عن ذلك اليكس فيشمان في جريدة «يديعوت احرونوت» في 20 مايو 2001 بقوله في كل الاحوال فان الطائرات لن توقف انتحاريي وعمليات الغد وهي في الطريق. ان كمية ونوع التحذيرات اليوم لم تشهد المخابرات لها مثيلا منذ سنوات وفرصة سد الطريق امام انتحاري قدم الى داخل الخط الاخضر فقط من خلال التحسن النوعي لدوائر الحراسة القائمة فقد اكتشف الانتحاري في نتانيا فقط في دائرة الحراسة الاخيرة بعد ان نجح في اختراق دائرتين ... دائرة الاحباط الامني ... التي لم تستطيع اكتشافه واكتشاف مرسليه .. والدائرة الاضعف ـ وهي عقب اخيل الابدية ـ الحراسة في خط التماس يتضح ان دولة اسرائيل التي ترسل اقمارا صناعية الى الفضاء لا تستطيع ان تنفذ العملية الابسط وهي حماية حدودها والتاكد من ان لايكون هناك دخول غير قانوني الى مناطقها .. طوال سنوات بقي خط التماس مثل حالة الجو .. الجميع يتحدثون عنه ولكن لا احد يفعل شيئا في الامر وفي مثل هذا الوضع لاينجم وعي بوجود حدود لدى الفلسطيني الذي ينهض في الصباح ويقرر دخول دولة اسرائيل. تكرار الحماقات اما اري شبيط فقد كتب في هآارتس يوم 5/7/2001 تحت عنوان اليمين واليسار مسئولان عن الازمة الاستراتيجية التي تعيشها اسرائيل .. وقال ..اليمين الاسرائيلي استغل انتصاره السياسي الكبير في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات أجل وضع حقل الغام في مناطق يهودا والسامرة وغزة واسم حقل الالغام هذا كان مشروع المستوطنات ولكن عندما حانت لحظة فوز اليسار الاسرائيلي بالحكم عام 1992 لم يقم هذا اليسار باستغلال هذا الفوز لتفكيك حقل الالغام الذي زرعه اليمين وانما قام بوضع حقول الغام جديدة سماها اتفاق اوسلو وهكذا. ان مايحدث الان في الضفة الغربية وغزة هو ان حقول الحماقة التي زرعها اليمين على طول المناطق وعرضها في الثمانينيات تفعل فعلها من خلال الالغام الحمقاء التي زرعها اليسار في المناطق في التسعينيات المستوطنات التي اقيمت على اساس اوهام اليمين تهاجم من قبل الميليشيات الفلسطينية التي سلحتها اوهام اليسار. النتيجة طبعا هي سلسلة لاتتوقف من الانفجارات التي يتوقع ان لاتتوقف في الاشهر القريبة بل المتوقع زيادتها مما يشعل صراعا اسرائيليا فلسطينياً شاملا في نهاية المطاف لكن شلومو جازيت كتب في جيروزاليم بوست بتاريخ 22/5/2001 عن تاثير الانتفاضة على اسرائيل في اي نزاع أو مواجهة يكون السؤال المثار بشكل طبيعي هو لصالح من يسير الزمن؟ وهذا السؤال يخص بالتأكيد اسرائيل والفلسطينيين، منذ أن بدأ الفلسطينيون حملة العنف ضد اسرائيل في شهر أكتوبر الماضي. يمكن بحث مسألة الزمن من خمسة جوانب اساسية للمواجهة، دعونا ندرسها من وجهة نظر اسرائيل: الأول منها القدرة على الاحتمال: على الاسرائيليين معالجة ثلاث مشاكل اساسية هي الدمار الاقتصادي الخطير سواء المباشر في الصناعات مثل السياحة والبناء أو غير المباشر مثل تحويل المزيد من الموارد لصالح الأمن على حساب التنمية والرفاهية والاجتماعية واحتمال الضغط المتواصل للهجمات العسكرية، وعقدة الأمهات الاربع أي الآباء والامهات الذين لا حيلة لهم ويرفضون أن يروا ابناءهم يخدمون في مناطق الضفة الغربية وغزة. الثاني منها تحقيق انتصار عسكري: حيث تثق اسرائيل في تفوقها العسكري، والذي تتمثل عناصره في الاستخبارات الدقيقة التي تمهد لتوجيه الضربات بالأسلحة المتطورة التي تضمن أن يكون ميزان الخسائر والاصابات في صالح اسرائيل، ومن ناحية أخرى فإن وضع الجيش الاسرائيلي في الوقوف عند الحرب الدفاعية دائما يجره بشكل متزايد نحو الدفاع وبالتالي يعرض اسرائيل لمخاطر ميدانية واعلامية ودبلوماسية على حد سواء، حيث يتيح الفرصة للفلسطينيين في توجيه حملاتهم الاعلامية والدبلوماسية والعسكرية المفاجئة للضغط على اسرائيل. الثالث منها الحالة المعنوية للمقاتلين: طالما استمر القتال فإن الفلسطينيين يتفقون في هذا المجال، حيث أن قوات الجيش الاسرائيلي تستخدم بالآلاف في مهام تتناقض مع الشخصية المعنوية للجيش مثل مهام الحراسة والأمن التي يمليها الخوف الدائم من الهجمات العسكرية التي يصعب جدا تفاديها، بالاضافة الى أن المشكلة الكبرى هي عدم وجود اجماع من قبل الاسرائيليين على أهداف الحرب، حيث يشك كثير من الجنود في سياسة الاستيطان وحكم شعب آخر. كل ذلك يشكل تهديدا خطيرا للروح المعنوية والمعنويات الوطنية. الرابع منها المعركة الاعلامية: فالأهداف التي تواجه الجيش الاسرائيلي ليست فتح منطقة أو تحطيم العدو فالمواجهة الحالية سيحسمها عاملان: الاعلام والساحة الدولية، وهما مرتبطان جدا ببعضهما البعض، فالنزاع الحالي يجري في ظروف من الشفافية التامة وميزان القوى يجعل من اسرائيل وجيشها جوليان مسلح حتى الاسنان امام داود الفلسطيني الصغير والضعيف لكنه يظهر الشجاعة والفداء. وهذه الصورة هي التي تؤثر في اراء العالم عبر وسائل الاعلام. الخامس منها الصراع السياسي: فالهدف الميداني الفلسطيني ليس الحاق الهزيمة باسرائيل، فهدفهم محدد لكنه واضح تماما، تغيير موازين القوى من خلال ادارة المفاوضات تحت الرعاية الدولية تحت وقع الانتفاضة. فالولايات المتحدة صديق لاسرائيل وقفت حتى الآن لمنع صدور أي قرار لتدويل عملية التسوية، فقد منعت وجود قوات مراقبين دوليين، أو غيرهم من القوات التي تفصل بين الطرفين وهذا التأكيد الأمريكي لن يكون مضمونا للابد، فقرارات البيت الأبيض تتأثر بأمرين: ضغط الراي العام الأمريكي ودرجة الاعتبار الاسرائيلي في سياسة ومصالح الرئيس الأمريكي. فلصالح من يسير الزمن اذا؟ عندي جواب واحد فقط، لقد عمل الزمن وسيظل يعمل لصالح الطرف الذي يستطيع استخدام واستغلال نقاط تفوقه وتجنب السلبيات الميدانية والسياسية والاعلامية قدر الامكان. اما يوسي ساريد فكتب عن تأثير الانتفاضة على المستوطنات في يديعوت احرونوت بتاريخ 10/11/2000 في مقدور اغلب الاسرائيليين وربما جميعهم. الرد على هذا والسؤال الأكثر تعقيدا هو أي نوع من الزبائن نحن، ومن الصعوبة جدا الاتفاق على ذلك. كان الخطأ السابق هو عملية الاستيطان، كان ينبغي أن يكون واضحا منذ البداية انه ليس هناك أي مبرر للتوطن الاسرائيلي في أرض محتلة. كان من الواضح ان هذه المستوطنات سوف تحبط في المستقبل فرص التوصل الى اتفاق معقول مع الفلسطينيين، يتماشى مع المصالح الامنية الحقيقية لاسرائيل. لقد اخطأت جميع حكومات اسرائيل على مختلف اجيالها في عملية الاستيطان لقد جعل المستوطنون المشروع الصهيوني جسدا مليئا بالعاهات. عندما بدأ عهد السلام عام 1977 كان عدد المستوطنين في المناطق المحتلة عشرين الفا واليوم يقترب الرقم من 200 ألف ان لم يكن أكثر كان عدد المستوطنين عند انتخاب رابين عام 1992 في المناطق المحتلة 96 ألفا، واثناء توقيع اوسلو بلغ عددهم 110 آلاف، وفي العام الأول لحكومة باراك صار المستوطنون 124 ألفا، وفي عام 2000 وصل عدد المستوطنين لما يقرب من 200 ألف، وظلت الايدي ممدودة وكأن ذلك ليس كافيا. نحن هناك في اسرائيل لا نرى ذلك الانطباع السيئ لهذا العبث الاستيطاني، ولكن كل فلسطيني كان يراه ليلا ونهارا®. يجب في النهاية انهاء الاحتلال. وفي جريدة «هآرتس» 1/5/2000 بقلم نداف شرجاي في الشهور الأ,لى من عام 2001 انخفضت مبيعات الوحدات السكنية في المستوطنات وسجلت انخفاضا بنسبة 66% بالمقارنة بنسبة المبيعات في الأشهر الأولى من العام الماضي. الحلم الضائع ورغم ان الانتفاضة الفلسطينية ـ انتفاضة الأقصى ـ قد بدأت في وقت كان الاقتصاد الاسرائيلي يمر بفترة انتعاش حتى قيل في اسرائيل بأن العام الأول من حكم ايهود باراك اغسطس 1999 حتى اغسطس 2000 كانت أفضل السنوات في تاريخ الاقتصاد الاسرائيلي، اذ قاربت نسبة النمو الاقتصادي 8% لكن لم يمض شهر على اندلاع انتفاضة الأقصى حتى بدأت الأوساط الاقتصادية الاسرائيلية تتحدث عن التأثيرات السلبية للانتفاضة على الاقتصاد. فقد جاء بجريدة معاريف بتاريخ 27/11/2001أن تضخم الميزانية العسكرية الناتج عن الاستنفار الامني الشامل، وتجنيد اعداد كبيرة من القوى العاملة في الخدمة الاحتياطية وارتفاع كلفة الآلة الحربية المستخدمة في مواجهة الانتفاضة، كل ذلك كان خلف طلب وزارة الدفاع زيادة الميزانية العسكرية لسنة 2001 في اثر التدهور الأمني 3.55 مليارات شيكل الا أن الحكومات قررت زيادة ملياري شيكل فقط. وفي جريدة هآرتس بتاريخ 26/2/2001 جاء أن وزارة المالية الاسرائيلية كانت متوقعة قبل نشوب الانتفاضة نمواً بنسبة 5% لعام 2001، ثم مالبثت أن عدلت توقعاتها بعد الشهر الثاني من الانتفاضة بأن تكون نسبة النمو 4% ثم خفضت توقعاتها في نهاية الشهر الخامس الى نسبة تتراوح بين 2% و3%. وفي أواخر نوفمبر الماضي - حسبما جاء في جريدة معاريف 28/11/2001. نقلا عن تقرير خاص صادر عن وزارة المالية ان تفاقم الاحداث الأمنية في البلد وهبوط أسعار الأسهم في بورصات الولايات المتحدة الى جانب استمرار الأزمة السياسية، ستؤدي الى تباطؤ ملموس في النمو الاقتصادي، حيث أن الأحداث التي تمر بها اسرائيل في هذه المرحلة ستسبب خسارة في الناتج القومي بنسبة 71.5 % مليارات شيكل. وجاء في جريدة معاريف الصادرة بتاريخ 27/2/2001 ان الصناعة تمر بفترة تباطؤ، وفي هذا الصدد ذكر المعلق الاقتصادي في صحيفة هاآرتس ابراهام طال في 5/3/2001 ان الناتج المحلي تقلص خلال الربع الاخير من عام 2000 بنحو 10% وكانت جريدة هتسوفيه 12/4/2001 في مقالها الافتتاحي أكدت على الآتي: لو استمر الأمن على حاله حتى 31 ديسمبر هذا العام ستلحق بالاقتصاد الاسرائيلي خسائر تتراوح بين مليار ومليار ونصف دولار عام 2001 وتنصب هذه الخسائر بالاساس على مجالات السياحة من الخارج والبناء والزراعة والصادرات الاسرائيلية لمناطق السلطة الفلسطينية. وقد جاء في الملحق الاقتصادي لجريدة يديعوت احرونوت في 30/5/2001 بقلم جاد ليئور في يوم واحد تلقى فرع السياحة كل ضربات الانتفاضة، ذلك الفرع الذي سجل رقما قياسيا جديدا في الاشهر التسعة الأولى من عام 2000، وبخاصة نظرا لزيارة البابا، سقط في واحدة من أصعب فتراته. تم تسريح آلاف العاملين، وآلاف اخرون تم منحهم اجازات وتم اغلاق 25 فندقا، وتقدر قيمة الخسائر في الدخل السياحي فقط بثلاثة مليارات شيكل، ويصل عدد الذين تمت اقالتهم في فرع خدمات الضيافة والطعام منذ بداية الانتفاضة وحتى الأيام الاخيرة الى 28 ألفا من بينهم 12 ألفا اقيلوا من الفنادق.منذ اندلاع الانتفاضة دخل اسرائيل 870 ألف زائر مقارنة بعدد مضاعف في الشهور التي سبقت الاضطرابات في العام السابق 1.7 مليون سائح وفقا لبيانات المكتب المركزي للاحصاء، انخفض عدد الحاضرين الى البلاد من 183 ألفا الى 104 آلاف فقط، عدنا الى أرقام عام 1992 وليس من المنتظر أن يكون المستقبل جيدا. وفقا لبيانات وزارة الزراعة تقدر اضرار الانتفاضة بـ 152 مليون شيكل وقد تركزت الاضرار الرئيسية في محاصيل الطماطم والخيار والبصل والفلفل وتقدر بحوالي 60 مليون شيكل، وتقدر اضرار فرع الزهور بحوالي 30 مليون شيكل، ولحقت خسائر بالعنب والتمر بحوالي 10 ملايين شيكل، وفرع اللارنج بقيمة 5.3 ملايين شيكل وخسائر مقدارها حوالي مليون شيكل للكمثرى والمانجو وتقدر الخسائر في الحمضيات بحوالي عشرة ملايين شيكل. وفي جريدة «هآرتس» 11/5/2001 كتب ابراهام طال راصدا الهجرة من اسرائيل. مشاعر عدم الارتياح تسود الجمهور. لا يوجد استطلاع رأي في الايام الاخيرة مهتم فعليا بالروح القومية كي يؤكد هذا التخمين بالارقام ولكن كل من يتحدث الى الناس ويتابع اجهزة الاعلام يمكن أن يؤكد ان حالة الروح القومية على كف عفريت هناك مظاهر لذلك، حيث نشرت صحيفة «يديعوت احرونوت» هذا الأسبوع بيانات عن اسرائيليين مسجلين للدخول في قرعة الحصول على الكارت الاخضر الذي تصدره أمريكا ومازال تسجيل الاسماء في الذروة. اعداد المسجلين هذ العام ستكون أكبر كثيرا من العام الماضي والذين قدروا آنذاك بعشرين ألفا والسؤال لماذا لا نشعر بالرضا؟ والاجابة تبدو بسيطة، انعدام الأمن الشخصي والمستقبل السياسي الغامض وقدمت الصحيفة بعض النماذج منها، تقول ب.ج مقيمة في حيداره: الأوضاع في اسرائيل لا تطاق والوضع الاقتصادي ينعكس على وجوه الاسرائيليين انني مصممة على الرحيل بأي وسيلة، ويقول ع.ل من بئر سبع: أنا جندي مسرح لم انجح في الحصول على عمل وأنا واثق من النجاح في أمريكا. يتكشف لنا مماتم رصده من الصحف الاسرائيلية عن تأثير كبير للانتفاضة على اسرائيل باعترافهم هم، تأثير في الحدود والأمن والاقتصاد والهجرة المضادة أي هجرة من الداخل الاسرائيلي الى الخارج وبالذات الأمريكي، وتأثير على المستوطنات والمستوطنين. ـ كاتب سياسي مصري