«هدية من النوع المخصوص».. هكذا جاء وصفها على لسان وأقلام المراقبين والمحللين السياسيين، كانوا بهذا يصفون القرار الذي اتخذه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باغلاق مركز «لورديز» الالكتروني في كوبا. ولقد جاء صدور القرار مواكبا من حيث دقة التوقيت وبلاغة الدلالة مع موعد انعقاد مؤتمر شنغهاي الاقتصادي في 20 اكتوبر الذي تقرر ان يلتئم في اطاره شمل امريكا وروسيا ومعهما اقطار حافة الباسيفيكي على نحو ما تصفها أدبيات السياسة الامريكية ربما ظل الكرملين يبحث عن بادرة يكون من شأنها اضفاء مزيد من دفء التقارب على علاقاته مع البيت الامريكي الأبيض فلم يجد بين دفاتره سوى رأس كوبا، حليفة الأمس المدللة، لكي يضحي بها فكان قرار اغلاق القاعدة الالكترونية الروسية التي كان قد أقامها الاتحاد السوفييتي عام 1964 بعد خمس سنوات من اعلان نظام فيديل كاسترو الشيوعي في الجزيرة الكاريبية التي ظلت ـ وما برحت ـ مصدر صراع مستمر للولايات المتحدة واداراتها ومصالحها الحيوية في نصف الكرة الغربي ـ الجنوبي. قاعدة التنصت الالكتروني وهي ههدية ثمينة حقا، فضلا عن توقيت اعلانها، فقد كانت القاعدة المذكورة تستخدم لأغراض التنصت الالكتروني من جانب روسيا على ما يدور على أرض وفي أجواء الجارة الكبرى الولايات المتحدة الامريكية، وكانت مركزا نفيسا بل حيويا حقا وخاصة أيام الحرب الباردة بين معسكري الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي لاسيما وان سواحل امريكا الجنوبية في فلوريدا لا تكاد تبعد عن سواحل كوبا بأكثر من 70 ميلا أو أقل قليلا أو قد تزيد. ثم انها رمية روسية في مرمى فيديل كاسترو ونظامه الذي يعاني كل أنواع المشاكل الاقتصادية الناجمة في الأساس عن الحصار الذي ظلت واشنطن تفرضه لأكثر من 40 عاما ستحرم كاسترو من مبلغ 200 مليون دولار سنويا كانت موسكو تدفعه كايجار للقاعدة من جهة وربما كدعم لاقتصاد كوبا الجريح من جهة اخرى. ومن شأن هذه الرمية الروسية ان تصب في مصلحة امريكا باعتبارها الخصم اللدود لكوبا في التحليل الأخير، بل نراها كارثة جديدة مضافة الى ما ظل يتراكم من مشاكل فادحة على رأس هافانا الكوبية منذ انهيار ومن ثم حليفها بل حاضنها الرئيسي السابق الاتحاد السوفييتي. قضية الغزل في كل حال تظل الهدية الروسية عربونا، كما تقول تعابير السوق، على ان ثمة مرحلة من الغزل السياسي على وشك ان تبدأ بين امريكا (بوش) وروسيا (بوتين). وربما تكون فاتحة القصيدة الغزلية الجديدة قد بدأت بالفعل مع اعلان الكرملين عن تأييد ولو ـ بشكل عام ـ لما أصبح يوصف بأنه حرب امريكا الراهنة ضد الارهاب. ومن الجدير بالتأمل ان نرصد في عجالة مكثفة المواقف المتنوعة التي عبرت عنها أطراف التضحية: ـ بوتين قال انهم أغلقوا مركز التنصت الكوبي لأنه اصبح أقرب الى أثر عتيق متخلف عن أيام الحرب الباردة. ـ العاصمة الكوبية أصدرت بيانا غاضبا ذكرت فيه ان اغلاق مركز لورديز حيث يعمل أكثر من 1500 خبير وفني روسي جاء بمثابة رسالة تنطوي على تنازلات لصالح أمريكا وعلى تهديد جسيم لمصالح كوبا. ـ الخارجية الروسية كانت أكثر من صريحة وواضحة، حيث قال الناطق باسمها بلا مواربة ان موسكو تتوقع شيئا في المقابل من امريكا، وألمح الى ان هذا المقابل يشمل ـ مثلا ـ اغلاق مراكز التنصت الالكتروني الامريكي القريب من حدود روسيا. من وجهة نظرنا العربية، ينبغي لنا ان نتوقف في هذا السياق عند حكاية المقابل تلك، ولقد سبق لنا ان توقفنا عن تصريحات كولن باول وزير الخارجية الامريكي (نيويورك تايمز، عدد 19/10) الذي ألمح فيه بدوره الى وعود بمكاسب اقتصادية لروسيا، مشيرا الى انها ستكون بمثابة مكافأة مقابل انضمامها الى ما تسميه واشنطن باسم التحالف الدولي ضد الارهاب. الحكاية أصلها النفط ولا أحد يعارض ـ بداهة ـ أي محاولات تتصدى للارهاب دوليا كانت أو محليا شريطة ان تكون بالطبع جادة وموضوعية ومنصفة ومتوخية جادة التعقل وسبل الاتزان، بيد اننا نتوقف مليا عند «مقابل» أو «مكافأة» بدأت أمريكا تلوح بها وتلمح اليها، وبدأت روسيا بحكم أوجاعها الاقتصادية تتطلع اليها ويسيل لعابها من أجلها، ولكنها تمس مصالحنا العربية الحيوية في الصميم. تلك هي حكاية النفط، ولقد أشرنا في مبحث سبق نشره في هذا المكان الى ما بدأ يتردد من أحاديث وتحليلات في الأوساط الاقتصادية والسياسية الامريكية، وهو ما نتابعه عن كثب لانزال بحكم اقامتنا حاليا لفترة طالت بعض الشيء في امريكا.. وأهم ما في تلك الاحاديث انها تدور حول دعوات لما يسمونها بناء تحالفات نفطية جديدة وحماية المستهلكين في امريكا من احتمالات الارتفاع الشديد في اسعار النفط والتصدي لاعتماد أمريكا وربما الغرب الاوروبي بشكل عام على مصادر النفط الخارجية وخاصة نفط الشرق الأوسط. دراسة امريكية من موسكو في هذا السياق نطالع موضوعا مهما تنشره الدوريات الاقتصادية في امريكا ويحمل عنوانا له دلالة لا تخفى على أحد وهو.. روسيا تصبح حليفا نفطيا (لأمريكا طبعا) والموضوع كتبته الباحثتان سابريناتا فرنيس وبريجيت برويز وقد استقيت معلوماته وتمت صياغته في موسكو، هذا الموضوع يحمل عنوانا فرعيا يتصل ـ كما أشرنا ـ بالمصالح الحيوية للأمة العربية حيث يقول العنوان: ـ في ضوء الاضطراب، الفوران الذي يجتاح الشرق الأوسط.. ينشأ (بالنسبة لنا) شريك (نفطي) جديد. يكاد المرء يشعر من نغمة الاستهلال في هذه الدراسة بمكامن خوف أو تدق على أوتار التوجس واثارة مشاعر «عدم اليقين» وهي أخطر ما يساور أهل الاقتصاد ودوائر التجارة، بل انها تؤدي الى التخبط في حركة أسواق الاقتصاد العالمي والى اختلال مساراتها. الدراسة تقول باديء ذي بدء ان العالم المتقدم يتابع بقلق بالغ مدى الأخطار التي أصبحت محدقة بامدادات النفط من الشرق الأوسط. .. وسطور فريد زكريا ونحن نقرأ هذه السطور في ضوء قراءتنا لسطور أخرى كتبها الصحفي الامريكي فريد زكريا (من أصل هندي مسلم) في أحدث عدد أصدرته مجلة «نيوزويك» وخصصت محوره الرئيسي لموضوع يلخصه سؤال يطرحه الامريكيون أنفسهم وهو: لماذا يكرهنا الآخرون؟ وليس يعنينا محاولات اجابة هذا السؤال بقدر ما تعنينا تلميحات فريد زكريا واضرابه الى ما قد يتهدد حقول النفط في الشرق الأوسط من أخطار على يد ارهابيين، وتلك تلميحات نفهمها على انها من آليات الترويع ان لم تكن من مفردات الابتزاز السياسي، ومع ذلك فهاهم القوم يزفون نبأ دخول روسيا الى الساحة، حيث تقدمت كما تقول الباحثتان فرنيس وبروير بوصفها الصديق الصدوق الجديد وقت الشدة لماذا وكيف؟ سؤال تجيب عنه الدراسة المنشورة على الوجه التالي: ـ هاهي روسيا الى جانب وقوفها مؤيدة للحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان تبادر الى تقديم حقولها النفطية بوصفها بديلا مأمونا عن الاعتماد على منطقة الخليج المتقلبة الاطوار. امكانات روسيا وجاراتها ونحن نقرأ هذه السطور ايضا من منطق فهمنا ان التأييد الروسي للحملة (مصطلح الحملة من صياغة كولن باول وزير الخارجية الامريكي بدلا عن مصطلح الحرب) لأن روسيا لها ثأر بايت قديم من أيام الهزيمة السوفييتية في أفغانستان ولأن الكرملين يود لو تكون له يد طولى في التعامل مع شعوب آسيا المسلمة في الجمهوريات السوفييتية السابقة بمنطقة آسيا الوسطى، وايضا لأن الكرملين يطبق المقولة الشهيرة التي تفيد بأن ليس في السياسة صداقات دائمة ولا عداوات دائمة ولكن مصالح على طول الخط. بعد ذلك يصبح مطلوبا من الرأي العام الأمريكي ـ وهو في هذه المرحلة بالذات يعيش حالة من التوتر العصبي ـ ان يعرف ان روسيا والكيانات التي كانت سوفييتية سابقا تنتج حاليا 10% من نفط العالم وأكثر من 30% من الغاز الطبيعي في العالم، وان صناعة تعدين النفط والغاز في حال من بدايات الازدهار في تلك الاصقاع، وان صادراتها قد زادت في عام 2001 الحالي بنسبة 9%، وان الاسبوع الأخير من شهر اكتوبر الجاري سوف يشهد ـ يا للدقة! ـ بداية الانتاج في حقل جديد للغاز الطبيعي في شمال روسيا يشمل احتياطيات ـ على ما تقول الدراسات ـ تساوي ثلثي احتياطيات الغاز في قارة أوروبا بأسرها. وثم تنتقل الدراسة الامريكية المكتوبة في موسكو الى جمهورية كازاخستان المجاورة لروسيا وتستمد أهميتها في رأينا أولا من كونها جمهورية اسلامية وثانيا من احتوائها على عدد من مراكز النشاط النووي الموروثة طبعا من الحقبة السوفييتية وثالثا من خطة التوسع التي تزمع تغييرها في مجال صناعة استخراج ونقل النفط والغاز. وتوضح الدراسة المذكورة ان كازاخستان تعمل على تطوير حقولها النفطية الجديدة بهدف مضاعفة انتاجها بحلول عام 2010. وتنقل الدراسة عن أحد كبار الباحثين في هذا المجال ـ أمريكي يعمل في موسكو ـ قوله: ـ سيأتي اليوم الذي ينظر فيه الى امدادات النفط بخلاف الشرق الأوسط على انها مرغوبة أكثر من سواها. تغيير 180 درجة وانت تقرأ هذه التصريحات.. وعليك ألا تقتصر على تفسيرها اللغوي ولا حتى الاقتصادي، بل ينبغي ان يتعدى الأمر الى تفسير سياسي وربما استراتيجي. ثم تعيد الى الذاكرة المحدثة ما سبق وأعلنته أوساط امريكية في عقدي السبعينيات والثمانينيات بأن نفط الاتحاد السوفييتي أصبح الى نفاد، ويومها ساقت الاوساط الامريكية احصاءات وارقاما وجداول وتنبؤات منسوبة الى هيئات المفروض انها أعلم عن سواها ـ والعلم عند الله سبحانه ـ مثل المخابرات المركزية ومعهد البترول الامريكي والحاصل طبعا ان نفط الاتحاد السوفييتي لم يتحول الى زوال. وعندما زال الكيان السوفييتي ذاته، تحولت الدفة وتحركت زاوية التنبؤ 180 درجة لصالح اتحاد آخر هو الاتحاد الروسي الذي أصبح الآن يتلقى أكاليل المديح على صداقته المستجدة لأمريكا والغرب. ناهيك عن الاشادة بما يمكن ان يحتويه هو، سواء على مستوى روسيا أو الفيدرالية التي تضمها في اطار كومنولث الدول المستقلة (السوفييتية سابقا) من غزير الانتاج النفطي والغازي ومن طائل الاحتياطيات. المشكلة في خطوط الأنابيب من ناحية اخرى، يؤكد الاختصاصيون ان روسيا لا تستطيع في المرحلة الحالية ان تحل يوما محل امدادات الشرق الأوسط لا بحكم شكوكهم في امكانياتها أو احتياطياتها النفطية وحسب، ولكن لأنها تفتقر الى شبكة الامداد عن طريق خطوط الأنابيب. ربما كان هناك من يتحسب لهذه الناحية من النقص.. وهكذا أنفقت شركتا شيفرون/تكساكو وبريتش بتروليوم عدة مليارات من الدولارات على امتداد عقد التسعينيات وبالتحديد منذ سقوط الاتحاد السوفييتي لاستكشاف مواقع بترولية جديدة، فيما تعاونت روسيا وأمريكا في نفس الفترة من أجل تطوير شبكات للأنابيب لزوم النقل والامداد وكان أحدثها خط الأنابيب الممتد من حقل «لنجيز» في غربي كازاخستان الذي يصل الى مرفأ روسي واقع على البحر الأسود. ثم تأتي بدايات الغزل الامريكي الروسي لتؤكد على أهمية نزع طابع التسييس عن العلاقات النفطية المستجدة بين واشنطن وموسكو. ولتحاول اغراء واشنطن بما يسمونه نفط القوقاز الذي ينتظر مشاريع التطوير والتجهيز ومن ثم النقل والاستخدام. مع ذلك، فلايزال النفط سلطة استراتيجية ولاتزال مجمعات الصناعة والانتاج في امريكا والغرب بحاجة اليه، ومن الشرق الأوسط بالذات، لاسيما وان أمريكا لا يسكنها سوى5% من سكان العالم تستهلك 25% من نفط العالم، ولاتزال الامكانيات الروسية والقوقازية وعودا بانتظار التحقيق، ولكن لايزال الطرف العربي وغير العربي في الشرق الأوسط. وربما منتجو النفط الدوليون على اختلافهم بحاجة الى ان يرصدوا ما قد تفضي اليه مطارحات الغرام التي بدأت تباشيرها بين واشنطن والكرملين! ـ كاتب سياسي من مصر