لا أعرف لماذا لم يكن على أيامي مكتبة في المدرسة الابتدائية والاعدادية؟ هل كانت توجد مكتبة وأنا لا أذكرها؟ واذا وجدت فلماذا لم يعرفنا بها الأساتذة، على الأقل من كان يهتم منهم بتنمية عادة القراءة فينا؟ على كل حال، لا أذكر أنني دخلت مكتبة المدرسة في المرحلة الابتدائية أو الاعدادية، وأن عادة القراءة تكونت خارج المدرسة، وأنني عرفت «مكتبة البلدية» في بلدتي ـ المحلة الكبرى ـ قبل ان أعرف «مكتبة المدرسة» الثانوية التي أدمنت التردد عليها وأصبحت من زبائنها الدائمين فيما بعد. أذكر ان صديقا يكبرني في السن، اصطحبني مرة إلى شعبة الاخوان المسلمين في بلدتي، ووجدت شبابا يمارس الألعاب الرياضية، ودلفت مع صديقي إلى غرفة بها كتب كثيرة، كانت بمثابة مكتبة، لكني لم أرتح نفسيا لهذه الشعبة ولا لمن فيها. ولذلك ظلت «مكتبة البلدية» هي المكتبة العامة الوحيدة التي اكتشفتها والتي أفدت منها، قبل ان التحق بمدرسة طلعت حرب الثانوية، وكانت مدرسة حديثة حسنة التجهيز، بها معمل تطوير للهوايات، وبها مكتبة ممتازة، تضم الكثير من الكتب التي التهمتها في السنة الوحيدة التي قضيتها فيها، قبل ان أنتقل منها إلى مدرسة أخرى، هي مدرسة المحلة الثانوية. لا أذكر كيف قادتني قدماي إلى القاعة الكبيرة التي كانت تشغلها المكتبة. ربما كان الفضول أثناء التجوال في المبنى الذي رأيته فخما لمدرستي الثانوية، وربما قرأت اعلانا عن المكتبة. المهم أنني دخلتها وأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، وتباطأت بالقرب من الباب كي أستوعب المشهد كاملا، ولمحني أمين المكتبة الذي كان مكتبه بالقرب من الباب. وكان شابا متخرجا حديثا من قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة القاهرة أو عين شمس أو حتى الاسكندرية، لم أعد أذكر. المهم أنه كان قريبا مني في السن نسبيا، ولم يكن من أولئك المدرسين العواجيز الذين يرسمون الجهامة على وجوههم، وكأن العلم لا يمكن ان يجتمع إلا مع جهامة الوجه والجدية المخيفة. وكم كنا نخاف من أمثال هؤلاء الأساتذة، ونكره سؤالهم، بل نكره الذهاب اليهم طلبا للعون. أما أمين المكتبة الذي دخلت ساحته فكان شابا باسم الوجه، لا يرتدي ملابس رسمية كاملة، بل يرتدي قميصا بنصف كم مع بنطال عادي. ودعاني اليه ليسألني عن اسمي. ولا أعرف كيف جذبني إلى الحوار معه حول الكتب، وحول نوعية الأعمال التي أفضل قراءتها. ووجدتني أتغلب على خجلي الذي لازمني طويلا في سنوات الصبا، وأتبادل وإياه الحديث طوال فسحة الظهيرة عن الروايات التي قرأتها، والكتاب الذين لم أتردد في اعلان حبي لهم. وأظنني بالغت في تعداد الأسماء وذكرت بعض الأسماء التي سمعت عنها ولم أكن قرأت لأصحابها شيئا. وفارقت أمين المكتبة الذي يقاربني في السن مع إعلان بزيارة المكتبة في الغد. ومنذ ذلك اليوم لم أتوقف عن زيارة قاعة المكتبة طوال العام الدراسي. جذبني إلى المكتبة أمينها الشاب الباسم أولا، وعونه وارشاداته ونصائحه التي كانت لها فائدة ملموسة جدا ثانيا، وعوالم المعرفة التي تفتح لي من آفاقها ما يظل في حاجة إلى الكشف إلى اليوم، وأضيف إلى ذلك رابعا جمعية أصدقاء المكتبة التي جذبني اليها رئيسها، وكان طالبا في السنة الثالثة، اسمه سعد الدين السياجي، والطريف أنني لا أزال أذكر اسمه ولا أذكر اسم أمين المكتبة الذي عرفني به، بل الذي آثرني بمودته عندما اكتشف ميولي الأدبية ونهم القراءة الذي لا أزال أتمتع به. ولكن لماذا لا أتذكر اسم أمين المكتبة وأتذكر اسم رئيس جمعية أصدقاء المكتبة. ربما لأن سعد السياجي كان نموذجا استثنائيا للطلاب، كان متدينا، يحافظ على الصلوات، ولعل ذلك بسبب والده الذي ربما كانت تربطه بجماعة الاخوان المسلمين صلة ما. وكان قارئا من الطراز الأول، يشتري المجلات التي لا أعرفها، والتي عرفني بها، وأولاها مجلة «المجلة» التي رأس تحريرها محمد عوض لفترة قصيرة، وجاء بعده حسين فوزي ثم علي الراعي ثم يحيي حقي، إن لم تخني الذاكرة في الترتيب، فما أذكره تماما ان أول عدد رأيته من مجلة «المجلة» بين يدي سعد السياجي كان أحد أعداد سنة 1957، وأن رئيس التحرير كان الدكتور حسين فوزي، وكان ثمن العدد ـ عشرة قروش ـ دافعا لي على شراء «المجلة» التي كانت بابا مفتوحا جديدا على المعرفة. وكان سعد السياجي مغرما بتوجيهنا في القراءة، بحكم أنه كان يسبقني بعامين على الأقل، وكانت معارفه الواسعة تبهرني، وكانت اختياراته للكتب تدهشني، فقد دفعني مرة إلى قراءة كتاب عن تاريخ أوروبا، وثانية إلى قراءة كتاب لم أفهم نصفه على الأقل لأنه كان عن مشكلة السلوك السيكوباتي. لذلك كله أتذكر سعد السياجي، ولا أتذكر أمين المكتبة الذي فرح بي محبا جديدا من محبي الكتب، وسرعان ما أصبحت صديقا لسعد، أذهب معه لنشتري المجلات سويا، «المجلة» و«الهلال» و«صوت الشرق»، أو نجلس في حجرته ليقرأ كل منا ما يريد، أو يطلعني هو على محصلة قراءاته، ولا اذكر مرة واحدة أننا قرأنا كتاب المقرر المدرسي، في أي مادة من المواد، فقد كان يكفينا الانتباه إلى الدروس التي يشرحها الأساتذدة، والمذاكرة اليسيرة، والتركيز في الشهر الأخير، فما كان في المدرسة كلها ما يغرينا سوى مكتبة المدرسة. وأظن ان هذا هو السبب الذي لم يجعلني أنضم إلى الفرق الرياضية التي كانت تملأ المدرسة، كرة القدم، كرة السلة، الكرة الطائرة، السباحة.. إلخ، لم أمارس رياضة يعتد بها مثل زملائي، ولا حرصت على ان أعقد صداقات مع أبناء جيلي المبرزين في الرياضة، حتى أولئك الذين كانوا يجرونني إلى لعبة البنج بونج التي أحببتها لفترة، لم ينجحوا في ان يجاوزوا بي المنطقة التي تنفر من الألعاب الرياضية. شيء ما كان يهمس في أذني ان الألعاب الرياضية ليست لأمثالي من الذين يحبون القراءة وكنت أتصور لغرور الشباب الباكر ان من يقضي وقته كله في القراءة أفضل عشرات المرات من أولئك الذين يقضون وقتهم في اللعب، حتى لو كان لعب الرياضة. وكنت أقرأ بالطبع عن العقل السليم الذي يوجد في الجسم السليم، ولكن رياضتي اليومية كانت المشي، الذهاب إلى المدرسة والعودة منها، أو الخروج للتريض مع الأصدقاء القلائل الذين يحبون القراءة لنتناقش حول ما نقرأ، أو لندخل السينما التي كانت مثل الكتاب في جذبي اليها. ربما كان ذلك هو السبب الذي جعلني أنفر من أبناء سني الذين كانوا يهرعون إلى مدارس البنات، لانتظار الطالبات وهن خارجات بعد انتهاء الدروس، لم أشترك في مثل هذه المغامرات، ولم أقترب من زملائي الذين تعودوا على الفخر الأجوف بصولاتهم وجولاتهم في عالم البنات. خلقت لنفسي عالما خياليا من الروايات التي كنت أطالعها في مكتبة المدرسة أو أشتريها من أمثال العم كامل، وكتبت شعرا كثيرا ـ تخلصت منه لحسن الحظ ـ عن ربة إلهام خيالية، همت بها حبا رومانتيكيا، ولم أجاوز عالم الخيال إلى عالم الواقع إلا بقدر ما كانت تسمح به محبتي للقراءة التي التهمت كل شيء. وربما كانت خصلة الخجل التي لا تزال تصاحبني بسبب هذه العوالم الرومانتيكية التي انطويت عليها، والتي جعلت مكتبة المدرسة بمنزلة المسجد لي، أهرع اليها كلما وجدت فسحة، من الدروس، وأذهب اليها في الاجازات، والتقى ورفاق الكتاب في المكتبة، نتبادل الآراء في قيمة الكتب، ونثرثر حول الأسماء التي قرأنا لبعضها والأسماء التي لم نقرأ لها، وخصصنا ركنا في قاعة المكتبة نلتقي فيه، خصوصا جماعة أصدقاء المكتبة التي ظلت الأقرب إلى نفسي. عقدنا ندوات في المكتبة حول موضوعات أعجب من سذاجتها عندما أذكرها، لكننا مع ذلك خصصنا جلسات لمناقشة الكتب الصعبة التي كان يختارها لنا سعد السياجي، وكنا نجتهد في قراءة هذه الكتب. واذكر أنني كنت أسهر الليل بطوله لأفتش في الصفحات عن مواطن صعبة، معلومات غير معروفة، أسماء مجهولة، استخدمها لإحراج زميلي المكلف بقراءة الكتاب وعرضه علينا. ولم أكن وحدي الذي يفعل ذلك. كان زملائي جميعا يفعلون مثلي في الأغلب الأعم. وكنا نتبادل الضحك عندما يعجز الذي يعرض الكتاب عن الأسئلة، ونضحك أكثر عندما يفاجئ سؤال ماكر الأغلبية، فلا نستطيع إلا ان نفتح الأفواه على سبيل الاندهاش الذي يحمل معنى العجز عن الكتابة. تعلمت كثيرا من هذه الجلسات، كما تعلمت كثيرا من الأسئلة الماكرة التي كنا نعدها لنلهوا بها. وأتصور أن هذه الجلسات كانت بداية اكتشاف الدارس الكامن في أعماقي. طلب مني الزملاء ان أعرض كتاب «شوقي شاعر العصر الحديث» الذي كتبه استاذي ـ فيما بعد ـ شوقي ضيف، فلم أكتف بتلخيص الكتاب، وإنما بحثت عن كل كتاب عن أحمد شوقي في قاعة المكتبة، وأعانني أمين المكتبة الذي أذكره بالخير على جمع كل الكتب الموجودة، وقرأتها جميعا وكتبت للمرة الأولى البحث الأول في حياتي، ونسخته بخط جميل في «بلوك نوت» خطابات، وسألت أحد أصدقائي الذين يحسنون الرسم ان يرسم لي صورة لغلاف البحث، وتصورت نفسي أكتب كتابا، فأدبج مقدمة عن البحث ومصاعبه، فأغلب الباحثين الذي قرأت لهم في ذلك الوقت كانوا يتحدثون عن مصاعب البحث. ولم أدرك إلا بعد ذلك بسنوات أنه لا يوجد بحث حقيقي يخلو من مصاعب. وأعجب زملاء جماعة أصدقاء المكتبة بالبحث، وغمرني سعد السياجي بكلمات الثناء في نبرة الأستاذ الذي أسهم في صنع تلميذ نجيب، وسألني أمين المكتب ان أنسخ نسخة أخرى من البحث لتكون في المكتبة، فذهبت إلى صديق يسعفني على النسخ، فقام بنسخ نسختين نسخة للمكتبة، ونسخة كتب عليها اسمه بدل اسمي على سبيل المباهاة. وكانت تلك هي البداية، بداية الرغبة في البحث العلمي، الرغبة في تجميع المعلومات، الرغبة في اكتشاف العلاقة بين المعطيات، أمنية الاضافة إلى ما هو موجود. كتبت أكثر من بحث في ذلك العام الدراسي الذي انتهى في سنة 1958، ولكن لم يبق عالقا في ذهني سوى موضوع البحث الأول عن أحمد شوقي الذي ضاع مع كتابات الشباب. كانت مكتبة المدرسة بحث المعلم الذي تعلمت منه أكثر من أي معلم في حياتي، ولحسن الحظ كانت الكتب المختارة ممتازة، وكنا نجد كل ما نريد في أي مجال، وكانت أعداد الطلاب صغيرة تسمح بالقراءة، وكان أمناء المكتبة الذين عرفتهم في السنوات اللاحقة ـ لحسن حظي ـ لا يقلون لطفا وميلا للمساعدة عن أمين أول مكتبة مدرسة عرفتها ولا زلت أحمل لها ذكريات طيبة إلى اليوم، فقد كانت نعم المكتبة في المدرسة الثانوية التي لم أحب فيها شيئا مثل قاعة المكتبة.