في زمن صناعة الكذب المنمق المغلف بأضاليل خادعة للبصر وللبصيرة، يصبح الساعون للحقيقة، والمدافعون عنها، كالقابضون على الجمر، وتصبح الحقيقة أيا كان منبعها مثل الجمرة التي تحرق أيادي من يقترب منها، بعد رحلة بحث مضنية، يختلط فيها الجد بالعبث، وكأنك تطارد قطة سوداء في غرفة مظلمة لا جدران لها سوى الأسود الحالك! ولست أعني هنا البحث عن سر ولغز الجمرة الخبيثة، التي تجتاح العالم، ولا تنقطع طرائفها المضحكة، لكنه ضحك كالبكاء، طالما ان الطرفة تؤذي البشر أكثر مما تسري عنهم. فماذا يضحكنا في بلاغ وانذار كاذب بوجود رسالة أو طرد بريدي مشبوه، يثير الفزع والرعب في مدينة بأكملها، ويدفع السلطات لحشد قواتها الأمنية واستدعاء فرق مكافحة الأوبئة والهجمات الجرثومية، ويضطرها لاخلاء مباني أو تعطيل رحلات طيران أو إغلاق محطات لمترو الأنفاق كما يحدث في نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية والعواصم الأوروبية؟ ونتساءل ما الذي يدفع أحدهم، لاختلاق رسالة انذار كاذبة، تثير الهلع من وجود جرثومة الجمرة الخبيثة الفتاكة، وهو يعلم تماماً ان فعلته، ليست من باب الطرائف المسلية والمضحكة، التي يمكن التسامح والتعامل معها على انها من باب النوادر والفكاهات، التي تتعيش على الوهم والوساوس الجمعية. هل يقع مرسلو الطرود البريدية والرسائل الوهمية المثيرة لرعب الجمرة تحت تأثير شعور عدواني غامض تجاه المجتمع، ورغبة جنونية في تدمير ستار الأمن المألوف، الذي نركن له جميعاً، ويجعلنا نواصل حياتنا بعيداً عن ضغوط هيستيريا الخوف من مجهول آت على أجنحة المفاجأة، أم ماذا ينتظرونه ليشفى ويشبع نهماً غريباً في مشاهدة الرعب الجماعي لذويهم واخوانهم. يبدو ان لغز المتضاحكين بآفة الجمرة الخبيثة يستعصي على الحل، ويستدعي جهوداً من خبراء النفس البشرية وعلماء الاجتماع السياسي لفك طلاسمه، كونه يتناقض مع سلوكيات وأخلاقيات «الأزمة» التي توحد بين البشر، وتظهر القدرة الانسانية على التلاقي والتضامن لمواجهة الخطر. لكن الأغرب، هو لغز «الجمرة الخبيثة» التي تنتشر كانتشار النار في الهشيم، منذ الرابع من الشهر الجاري، عندما اكتشفت أول حالة اصابة بجرثومة «الانتراكس» في ولاية فلوريدا الأمريكية، وكانت للأسف مميتة أودت بحياة مصور صحفي في سن التقاعد، وبمرور الوقت تسارع ايقاع الجمرة، واتسع نطاقها عبر الطرود البريدية ليجتاح أوروبا ويصل إلى افريقيا والكاريبي والباهاما واستراليا والدول العربية، وتكررت مشاهد نمطية مثيرة للريبة، من إغلاق برلمانات واخلاء مكاتب رؤساء دول وحكومات بما فيها البيت الأبيض الذي وصله طرد ملوث بجرثومة الجمرة. ولحل لغز الجمرة، التي تركزت ضرباتها الأولى على شبكات التلفزيون والصحف الأمريكية الكبرى، والكونجرس تسابق المحللون لوضع قائمة مقترحة بالمتهمين، دون انتظار نتائج التحقيق التي خصص لها أكثر من 11 ألف عميل ومخبر سري من مكتب التحقيقات الفيدرالي، يحاولون ليل نهار تعقب مسار طرود بريد الجمرة، والنبش في تفاصيل صغيرة من نوعية: من أين تم شراء المظاريف ذات الحجم غير العادي لرسائل الجرثومة الخبيثة، وما العلاقة بين مكاتب البريد المرسلة منها في نيوجيرسي، وإقامة بعض المشتبهين في هجمات سبتمبر الارهابية في منطقة قريبة، وغيرها من التفاصيل والتساؤلات. وعلى طريقة استثمار الحدث قفزت وسائل الإعلام الأمريكية لتسويق قصص ذات صلة بهيستيريا الجمرة، وعادت بتاريخها مثلما فعلت شبكة سي.ان.ان التلفزيونية إلى الأسرة الخامسة في مصر الفرعونية حيث ظهرت جرثومة الجمرة للمرة الأولى وخرجت من معامل الكهنة، وهي معلومة بحاجة لتدقيق من المؤرخين وخبراء «الايجبولوجي». على أن أطرف ما في هيستيريا الجمرة هو الانتعاش والرواج غير المتوقع الذي فتح أبوابه لشركات الأدوية الكبرى، التي فتحت أبواب مخازنها لتصريف العقاقير والمضادات الحيوية لجرثومة الجمرة الخبيثة، وكأن مصائب قوم عند قوم فوائد..