للصهاينة لغة الدم، ولعنات الشهداء، ولشارون ذاكرة حديدية مشرعة على تاريخ بلا حدود من القتلى والقتل ومن المجازر والفظائع، من عيون الابرياء المتجمدة رعباً في محاجرها، وابتسامات الأطفال المغتالة على حين غرة ذات يوم من أيام مدينة بيروت في مخيم صبرا وشاتيلا! للصهاينة كلهم بلا استثناء مجد من جماجم، وتاريخ من اشلاء في كل قرى وشوارع فلسطين، ولذلك اشتاق شارون كثيراً، وتفتحت شهيته بلا حدود بعد مقتل (رحبعام زئيفي) لأرتال الشهداء وحكايات المجازر القديمة، فارتكب جيشه مجزرة جديدة بالامس في مدينة رام الله (بيت ريما) في حماية الغفلة العالمية المنشغلة بتصفية حسابات اخرى في افغانستان المسكينة. انه ومنذ عقود من السنوات، ومأساة القاتل والمقتول، الارهابي والمظلوم، الجزار والضحية، تتوالى على أرض فلسطين، وكل ردود الافعال كانت تحرك في أوهام السياسة لا أكثر، قرارات على الورق صرخات عبر ميكروفونات الاذاعات واجهزة التلفاز، جلسات.. مباحثات.. مساعدات.. خيام.. وقوافل اغاثة سقيمة ولا شيء آخر!! اما حينما اخترق الارهاب سماء الولايات المتحدة، فإن العالم كله انفجر ثم وضع على حافة الهاوية، وبدل ان تنتقم امريكا لضحاياها من مرتكبي الحادث (الذين لا نعرفهم بعد على وجه التأكيد) صارت تنتقم من فقراء أفغانستان المحطمين يومياً، وصار رجال ساستها واساطين دفاعها يعترفون وبلا تردد وأمام العالم وفي وضح النهار (بأخطائهم) في أفغانستان! والمصيبة أن أخطاءهم هي عشرات القتلى من الابرياء والمدنيين في المستشفيات والمساجد ومراكز كبار السن، أهذه هي أهداف الحرب على الارهاب؟! فماذا نقول وبماذا نعلق؟ هل نقول لهم: لا عليكم، جل من لا يخطيء وهذه دماء الابرياء حلال عليكم فاسفكوها آمنين! أم نقول: اذا لم يكفكم قتل الابرياء في أفغانستان فاستكملوا قوائم (الارهابيين) من شعب فلسطين ودعوا شارون وجيشه وشعبه يتكفلون بالمهمة على أكمل وجه؟! أم أن شارون قد ارتكب مجازر الامس (خطأ) هو الآخر؟ لقد اختلطت الاوراق في (صراع الحضارات) في الشرق الاوسط، ولم يعد للولايات المتحدة واوروبا اي رغبة حقيقية في الالتفات لملف القضية العربية، ولذلك ينتشي شارون وشعبه وجيشه بالولوغ في الدم العربي الفلسطيني حتى الثمالة، فربما بذلك تهدأ روح (رحبعام زئيفي)!! اختلطت الأوراق وتطايرت وربما احترقت مع حرائق نيويورك وواشنطن، وشارون يصفي الأهل في فلسطين ويقتلهم علانية دون ان يعترض أحد.. علانية.. لا اعتراض، ولا مطالب، ولا رقابة، ولا لجان أمن، ولا مبعوث سلام، ولا مبادرات ولا.. ولا.. وليهنأ شارون بولائم الدم.. ولتهنأ فلسطين بمواكب الشهداء! اختلطت الأوراق في الشرق الاوسط، ولم يعد لامريكا واوروبا من مهمة في العالم سوى الانتقام ومحاربة الارهاب، اغلقت الابواب والنوافذ ومكاتب المباحثات والمشاورات، وحرق ملف الدبلوماسية حتى آخر ورقة، ذلك لأن الامبراطوريات العظيمة لا ترد على العدوان بالدبلوماسية وانما بحرب شاملة تلتهم الاخضر واليابس وتربي الخارجين على قوانين الامبراطوريات. لا وقت الآن لتحركات الاخضر الابراهيمي ولا خافيير سولانا، ولا وقت لوقف الضربات وتهدئة الحرب.. لا حرمة ليوم الجمعة ولا لرمضان.. ولا خجل من (اخطاء) القتل المجاني.. لا رحمة ولا مراجعة ولا عزاء للعالم كله!! لا عزاء للعالم كله الذي يضع أقدامه على عتبات المجهول، ممتطياً احذية من ريح صرصر لا تبقي ولا تذر، مغمضاً عينيه، ومتكئاً على دماء واشلاء وصرخات ودموع كأنها الخناجر والرصاص. شدوا الاغطية جيداً عندما تنامون، وحاولوا ان تنسوا مشاهد ما ترونه على القنوات الفضائية، حاولوا ان يرتاح ضميركم فرمضان على الأبواب.. والعيد قادم.. فكيف سنصوم والدم ينفجر في عيوننا طوال النهار؟ Aisha@albayan.co.ae