بدأ حياته كنكرة .. ورحل عن الدنيا كنكرة .ومابين البداية والنهاية لعب دوره السياسي في بلاده كما رسمته له واشنطن مقابل ان يتاح له جمع ثروة شخصية كمكافأة. ولا احسب ان كثيرا من القراء العرب سمعوا نبأ وفاة «نغوين فان ثيو» هذاالشهر ـ وهو آخر رئيس لجمهورية فيتنام الجنوبية في عهد الحرب الامريكية في الارض الفيتنامية (1965 ـ 1975) التي كان هدفها المعلن زورا وبهتانا المحافظة على النظام الديمقراطي الجمهوري في الجزء الجنوبي من البلاد وحمايته من الشمال الشيوعي، لكن رحيل الجنرال نغوين يستأهل وقفة، لان الجنرال يجسد نموذجا لطراز من الحكام في العالم الثالث لا يزال هو النموذج المعتمد لدى الولايات المتحدة حتى اليوم ،هو ذلك الطراز الذي تمثله نماذج اكثر شهرة من الدكتاتور الفيتنامي: الشاه محمد علي بهلوي في ايران والجنرالات موبوتو ونميري وبينوشيه في كل من الكونغو والسودان وشيلي على التوالي. النمط لا يتغير: تحرك انقلابي تدبره وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية لتدفع الى السلطة بشخصية انتقيت مقدما لتتولى تدمير نظام ديمقراطي باسم المحافظة على الديمقراطية، وعند نهاية المطاف يهرب الدكتاتور بمساعدة امريكية ليقضي بقية عمره في الخارج متمتعا بثروة خرافية تاركا وراءه دولة على حافة الافلاس الشامل. يروي فرانك سنيب آخر مدير لمحطة الاستخبارات الامريكية في سايجون عاصمة فيتنام الجنوبية في مذكراته عن عملية تهريب الرئيس نغوين فان ثيو في عام 1975 الى الخارج، ان من بين الترتيبات التي اتخذها الرئيس الفيتنامي نقل ثلاثة اطنان من سبائك الذهب الى الخارج كجزء من ممتلكاته الشخصية وما كان سنيب ليفشي هذا السر لولا انه نشر مذكراته بعد تقاعده عن العمل. لقد استقر الرئيس نغوين واسرته في بوسطون بالولايات المتحدة يتمتع بثروة اسطورية دون ان يخضع لمساءلة فكيف تكون اطنان من الذهب ثروة شخصية لرجل كان قبيل توليه السلطة ضابط جيش بمرتب محدود، ونشأ كطفل وصبي في كنف اب كان صائد سمك لا يملك قوت اكثر من يوم واحد لاسرته؟ ان قصة حياة نغوين فان ثيو تعكس اكثر من مغزى، والمغزى الاكبر هو ان خبراء الاستخبارات الامريكية يحددون شروطا لانتقاء الشخصية المراد لها ان تتولى دورا سلطويا غير سوي في دولة ما من العالم الثالث فمثل هذه الشخصية يجب ان تنطوي على قدر وافر من الانتهازية والشراهة وحب الذات، وهكذا كانت كل الشخصيات الدكتاتورية التي وظفتها الاستخبارات الامريكية في العالم الثالث لتدمير دولة مقابل اجر مغر. لقد كان الهدف الاستراتيجي الاكبر للولايات المتحدة تجاه فيتنام منع توحيد شقي البلاد الشمالي والجنوبي، للاستئثار بالسيطرة على فيتنام الجنوبية، ولان واشنطن كانت تدرك ان رؤيتها تتعارض تماما مع تطلعات الشعب الجنوبي الى الوحدة مع اخوتهم في الشمال، فانها فطنت الى ان بقاء النظام الديمقراطي في الجنوب بما يشتمل عليه من حريات التعبير والتنظيم سوف يتيح للاحزاب والمنظمات الجنوبية تحقيق هدف اعادة توحيد البلاد. ومن هنا كان القرار الامريكي بتدمير النظام الديمقراطي عن طريق انشاء دكتاتورية دموية قمعية لمنع الارادة الشعبية في جنوب فيتنام من تحقيق ذاتها في هدف الوحدة مع الشمال. وكانت النتيجة بروز مقاومة شعبية مسلحة وحربا ضد الوجود العسكري الامريكي والنظام الدكتاتوري المسنود امريكيا. ورغم ان الارادة الشعبية الفيتنامية انتصرت عند نهاية المطاف وتوحدت البلاد، الا ان هناك سؤالا يبقى: هل كان لازما ان يسقط ستون الف فيتنامي جنوبي قتلى في سبيل ان يجمع نغوين فان ثيو ثلاثة اطنان من الذهب بمساعدة امريكية.