متابعة الصحافة الإسرائيلية العبرية في خلال العام الأول من إنتفاضة الأقصى، تكشف لنا عن زوايا وجوانب متعددة في رؤية عسكريين وسياسيين وكتاب وخبراء استراتيجيين إسرائيليين للإنتفاضة، مما يشكل رؤية شبه متكاملة من قبل الجانب الإسرائيلي الصهيوني لهذا الحدث الكبير. ومن جوانب تلك الرؤية الاهتمام بطرح رؤية شارون للتسوية منذ أن جاء إلى مقعد رئيس الوزراء، كما تتناول تلك الرؤية ـ التي نعيد ترتيبها وتصنيفها ـ تفسير ظاهرة الإنتفاضة من قبل القادة والخبراء الإسرائيليين والإتجاهات السياسية المختلفة في إسرائيل، وكذلك تأثيرها على إسرائيل فيما يخص الحدود والإستيطان وحجم الخسائر البشرية والاقتصادية وصورة الدولة في العالم، وحجم الهجرة المضادة من الإسرائيليين الصهاينة خارج الكيان . كما تكشف لنا الصحف الإسرائيلية المتعددة عن طرائق التفكير الصهيوني ـ الإسرائيلي في مواجهة الإنتفاضة، إنطلاقا من خطة «أورانيم» عبر العنف والفصل والاغتيالات والعمل على إنهيار السلطة الفلسطينية إلى العودة إلى مائدة المفاوضات وفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين وأعمال الرؤية الإسرائيلية للتسوية. كما تكشف عن تأثيرات الإنتفاضة على الرأي العام الإسرائيلي، وعلى اليسار ومعسكر السلام الصهيوني، وعن تأثير الإنتفاضة على إتفاقية أوسلو، وعلى الفلسطينيين في 1948، وتبين كذلك حجم ودور الفصائل الفلسطينية عبر مشاركتها في الإنتفاضة وتوظيفها من قبل تلك الفصائل ـ وذلك حسب الرؤية الإسرائيلية. خارطة التسوية ويمكن القول إن إعادة ترتيب وتصنيف تلك القضايا يجعلنا نمسك برؤية إسرائيلية لانتفاضة الأقصى، كما يساعدنا على التقاط مفاتيح تفكير قادتها .وعن رؤية شارون للتسوية طبقا لقراءة الصحف الإسرائيلية، تتضح مدى جذرية رؤيته الصهيونية، وكيفية اختراع التكتيكات لذلك ففي اجتماع بين أعضاء لجنة الحاخامات في مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة وشارون المرشح آنذاك لرئاسة الوزراء الاسرائيلية، عرض شارون الخطوط الحمراء التي يتبناها وتعهد بعدم الإنسحاب ولا بأي حال من الأحوال من القدس الموحدة عاصمة دولة إسرائيل وغور الأردن الذي قال أنه سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية، وبالطبع أكد على عدم تفكيك أي مستوطنة وعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين. وكان حجازي هوبرمان قد كتب في جريدة هتسوفيه بتاريخ 4/2/2001 عن ذلك قائلا عن شارون انه لا تتوافر لديه احتمالات للتوصل إلى تسوية بسبب مشكلتي القدس واللاجئين يجب الحديث عن هدنة، ويستكمل الكاتب: توجد لدى شارون وعلى العكس من الأوساط السياسية الأخرى خارطة متبلورة للتسوية الدائمة مع الفلسطينيين حيث يحتفظ في أحد مكاتبه بخارطة كبيرة اعتاد عرضها على زواره، كما اعتاد على حملها لدى تجواله في الضفة الغربية، لذا كان من الطبيعي أن يسأله المستوطنون في المباحثات التي أجروها معه عن: هل مازال متمسكا بخارطته، وعندما أيقنوا رده الإيجابي شعروا بنوع من الإرتياح .وتنص خارطة التسوية الدائمة لشارون على إقامة دولة فلسطينية على 42% من مساحة الضفة الغربية، أي أكثر بحوالي 2% مما حصلت عليه السلطة الفلسطينية حتى اليوم . لكن على العكس ما نشر مؤخرا فلا تشابه بين الـ 40% هذه وبين الـ 40% الموجودة اليوم بأيدي السلطة الفلسطينية، إذ لن تتحول جميع مناطق «ب» إلى مناطق «أ» ولا يعتزم شارون تحويل منطقة أبو ديس إلى منطقة «أ» كما اعتزم باراك ولا عناتا ولا العيزرية ولا جميع القرى المحيطة بالقدس ولا القرى الواقعة داخل منطقة الحزام الأمني الإسرائيلي في منطقة «ب»، بل ستبقى هذه المناطق تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية في إطار التسوية الدائمة تتكون المنطقة الإسرائيلية في الضفة الغربية حسب خارطة التسوية الدائمة تتكون المنطقة الإسرائيلية في الضفة الغربية حسب خارطة شارون من حزامين أمنيين طويليين، الحزام الأمني الغربي على طول الخط الأخضر والحزام الأمني الشرقي الذي يتضمن جميع منطقة غور الاردن بعرض 15 ـ 20 كم حتى شارع آلون وصحراء الضفة الغربية. وحسب الخارطة يريد شارون إقامة خمس أحزمة عرضية بين الحزامين الطويلين العريضين وتؤدي إلى إيجاد أربع كتل فلسطينية بالامكان إقامة دولة فيها، كتلة جنين، نابلس وكتلة رام الله وكتلة بيت لحم وكتلة الخليل، على أن ترتبط هذه الكتل بشوارع مزدوجة منفصلة بعضها خاص بالفلسطينيين والبعض الآخر خاص باليهود . ويحصل الفلسطينيون على ممرات آمنة بين شمال الضفة الغربية وجنوبها وبين الضفة وغزة، وتتخذ هذه الممرات شكل تحويلات من الشوارع القائمة أو أنفاق تحت الشوارع الاستراتيجية في الضفة الغربية، التي ستحتفظ إسرائيل بالسيطرة عليها. تلك هي رؤية شارون ويسميها مخطط الشبكة حيث يتوافر للإسرائيليين التهديد الدائم للفلسطينيين، كما يتوفر لها السيادة الكلية على أرض فلسطين، بالإضافة إلى ما يقرب من 60% من أراضي الضفة الغربية، وبالطبع لا حديث عن القدس ولا عن اللاجئين ولا حتى عن دولة ذات إمتداد إقليمي أي أرض ممتدة. وفي حقيقة الأمر، لم تكن رؤية شارون وليدة تفكيره هو بل كان الاساس فيها والتأسيس لها من قبل رابين وبيريس وباراك ومن قبلهم إيجال آلون بمشروعه الشهير الذي أصبح بمثابة المنطلق الذي يحاول كل زعيم صهيوني أن يراكم عليه ويعطي ضمانات أكثر، المهم تقطيع المناطق بشكل لا يسمح بسلطة فلسطينية متواصلة، ورابين وبيريس وباراك هم الذين صمموا خرائط أوسلو «ب» بشكل يتيح الدفاع عن كل المستوطنات بما فيها الأكثر عزلة، وهم انفسهم الذين يعملون بكل القدرة على تعويق إقامة الدولة، وإن قامت فلابد أن تكون محكومة بالسيادة الإسرائيلية وتحت مرمى النيران، وكان ذلك ما كشفته حملات الجيش الإسرائيلي وجماعات المستوطنين عندما عاثوا في الأرض الفلسطينية المحررة على كافة المحاور البرية والجوية والبحرية. بعد ذلك كان من الطبيعي أن ينتفض شعب فلسطين البطل ضد هذا الظلم المتمثل في مسيرة التسوية الفاشلة وضد أوسلو التي جعلت من أراضي السلطة «جبنة سويسرية» حسبما يقول الإسرائيليون أنفسهم . نعود إلى الصحافة الإسرائيلية وما أعطته من تفسير الإنتفاضة ونقف عند ما قاله باخور في (يديعوت أحرونوت) بتاريخ 31/5/2001 قال: ليس ثمة أي فرصة لأن يوافق ياسر عرفات على وقف النار الذي أعلنته إسرائيل لعدة أسباب مركزية هي أن المجتمع الفلسطيني يقع اليوم أسير حماس كفاحه وكل إنتهاك لهذا الكفاح سيعتبر بمثابة خيانة، ولكن الإنتفاضة أعمق من ذلك، أنها تصوغ اليوم هوية وطنية فلسطينية جديدة، وهي تحدد من سيقود المعسكر الفلسطيني في العقود المقبلة، وماذا سيكون طابعها الاجتماعي ـ السلطوي، لهذا السبب تشارك كل الفصائل والمنظمات، ومن لا يشارك فيها يعتبر كما لو غاب عن الحوار السياسي الفلسطيني الجديد . بكلمات أخرى تحولت الإنتفاضة إلى مثل وأخلاقيات الوطن الفلسطيني في المناطق، إلى ظاهرة إجتماعية واسعة، تعتبر في نظر الوطن الفلسطينيين نوعا من التحرر الذاتي، هكذا كان بالنسبة لمصطلح (الكفاح المسلح) الذي طرحته حركة فتح قبل عدة عقود، وفي نظر إسرائيل كانت هذه قضية ظاهرة وطنية اجتماعية، انعتاقا ذاتيا من قيود الماضي ومن النخب القديمة . ويمضي باخور في مقاله: لذلك فإن المفهوم السائد وسط الدوائر الأمنية لدينا بأن ياسر عرفات ضغط على الزر واندلعت الإنتفاضة، ولذلك عليه أن يضغط على زر لوقف الإنتفاضة، هو مفهوم ضحل إلى درجة الأذلال، إذا كان الحديث يدور حقا عن أحداث اجتماعية ـ سياسية مخطط لها فإن ياسر عرفات هو لاعب هام فيها لكنه ليس الوحيد، فالإنتفاضة تقوده اليوم هو ونظامه ليس أقل مما يقودها هو ®. معنى ذلك من ناحية إسرائيل هو أن محاولات التوصل إلى وقف النار قسريا وتسويات مرحلية موالية أو تفاهمات مع عرفات، لن تجدي نفعا ليست ثمة فرصة الآن لتهدئة العنف الذي بدا للفلسطينيين نوعا من النهضة الوطنية من هنا يجب أن تدفع إسرائيل بإتجاه تقليص كابوس الإرهاب والفصل القاسي والإنقطاع على مراحل. الاسلوب الثالث وفي جريدة هآرتس كتب داني روبنشتاين بتاريخ 23/1/2001 لا يمكن إعادة العجلة إلى الوراء، بكلمات أخرى: إن أحداث إطلاق النار والعمليات في المناطق أصبحت عادة لايمكن وقفها، في كل زاوية في الضفة الغربية وقطاع غزة ثمة اليوم مجموعات وأفراد تنظم وتخطط لعمليات هجومية ضد أهداف إسرائيلية أن الذي يحثهم هو جو المرارة والغضب على إسرائيل الذي يشمل كل طبقات وفئات المجتمع الفلسطيني ويصل حتى القيادة، يقول غسان الخطيب من جامعة بير زيت أنه قبل نحو عشر سنوات ونيف اندلعت الإنتفاضة الشعبية بدون أن تكون هناك مفاوضات مع إسرائيل، بعد ذلك جرت المباحثات السياسية بين الطرفين بدون أن يكون هناك إنتفاضة، وبعد أن فشل الأسلوبان يحاول الفلسطينيون اليوم ممارسة الأسلوب الثالث، مفاوضات مع إنتفاضة . أما أروي افنيري فكتب في معاريف بتاريخ 23/1/2001 قبل عشرين شهرا حين إنتخب باراك ركضت إلى الساحة واحتفلت، لقد انتهى عهد الليكود، وبدأ عهد السلام، ولكن باراك في هذه الفترة القصيرة دمر كل ما يمكن تدميره، دمر المسيرة السلمية، مشروع رابين - المعنويات الوطنية، ثقة الفلسطينيين وإرادتهم الحسنة، كيف فعل ذلك ؟ أنه لم يعط للفلسطينيين ولو مترا واحدا، وبذلك داس على اتفاق أسلو، لقد وسع المستوطنات بوتيرة مجنونة، أقام شوارع التفافية من أجل الضم، حاول أن يملي على الفلسطينيين إتفاق استسلام، وفي النهاية أرسل شارون إلى الأقصى برفقة 2000 شرطي، وهكذا أثار بنفسه الإنتفاضة العنيفة. أما زئيف شيف فكتب في هاآرتس بتاريخ 6/4/2001كان للإنتفاضة منذ البداية عدة أسباب بديهية، ولكن أضف عليها دافعا هاما الآن، علينا أن نثبت للإسرائيليين وكل العالم أن تعهد شارون بتحقيق السلام لإسرائيل، هو تعهد أجوف لا أساس له طالما استمر الإحتلال، هذا هو تفسير القياد الفلسطينية لموجة العنف المتزايدة منذ تشكيل حكومة شارون، يضيف شيف: في محاضرة لفيصل الحسيني في بيروت مؤخرا وصف ذلك كما يلي: لا يجب السماح لشارون بالنجاح من الناحية الأمنية، وإلا فسوف ينتصر علينا من الناحية السياسية وليس الهدف الفلسطيني هو أن يثبتوا لإسرائيل أنه لا يوجد حل عسكري للنزاع، ليس هذا فقط، وليس الهدف مجرد محاولة إملاء المطالب على إسرائيل بقوة الإرهاب، فهذه المرة تتجه الجهود الفلسطينية العنيفة نحو رئيس الوفد الإسرائيلي ... شارون لم يكن ذلك في عهد نتانياهو أو باراك، فالهدف الفلسطيني هو إثبات أن شارون أيضا لن يوفر لهم الأمن الشخصي ويستند التبرير الفلسطيني للإنتفاضة على حجة أنه قد مرت سبع سنوات منذ إتفاق أوسلو ولم يحدث شيئ . عندما نكون هادئين لا تطبقون الإتفاقات وتزيدون المستوطنات، وعندما نطلق النار توقفون المفاوضات ويضيف: من الواضح أن الفلسطينيين يعيشون حالة من الإحباط العميق، فقد مرت ستة شهور منذ بدأت أعمال العنف وإنجازاتهم هزيلة للغاية، أو غير موجودة على الإطلاق، ويدفعون ثمنا فادحا، ولا يوجد بارقة أمل في الأفق فلم يحدث ما توقعوه من تدخل دولي، بل قلص الأمريكيون جورهم في الوساطة، وفي السي أي ايه يعارضون إقامة أي تعاون أمني بسبب سلوك الفلسطينيين وعدم التزامهم بالإتفاقات، والأموال الضخمة التي وعد بها العرب الفلسطينيين لم تصل أو تصل بتنقيط مهين، وفوق كل ذلك توقع الفلسطينيون أن تقوم الإنتفاضة بدفع المجتمع الإسرائيلي لتقديم تنازلات سريعة، فإذا كان مقابل أقل من 20 جنديا قتيلا في السنة حدث ضغط داخلي لإجراء إنسحاب غير مشروط من لبنان، فمن المنطقي أن ينكسر الإسرائيليون في الضفة الغربية أيضا، هكذا فكروا. وفي جريدة «هآرتس» بتاريخ 16/2/2001 كتب يوائيل ماركوس لقد حان الوقت لتسمية الأشياء بأسمائها، فهذا ليس إرهابا، هذا ليس إعتداء، هذه ليست إنتفاضة، أنها حرب استنزاف تشنها السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل، إختلافا عن إنتفاضة شعبية التي تأخذ إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة، فإن للحرب نظام واستراتيجية وهدف وما يمكن أن نطلق عليه الآن حرب الاستنزاف الثالثة فيها تبنى الفلسطينيون نظرية جيش الدفاع الإسرائيلي بنقل الحرب إلى أرض العدو وهكذا تصدر الأمن الشخصي جدول الأعمال القومي. وبالطبع حرب الإستنزاف الأولى فرضها عبد الناصر بعد 1967، وحرب الاستنزاف الثانية فرضها حزب الله في الجنوب اللبناني. وفي 22/3/ 2001 كتب يسرائيل طال في «هآرتس» : من يجلسون في الحكم تحديدا يفترض بهم أن ينهوا حرب الاستنزاف تلك، لا يوجد تعريف آخر لهذه الاستراتيجية الفلسطينية الناجحة. أما داني روبنشتاين فكتب في جريدة «هآرتس» بتاريخ 24/4/2001محاولة تمييز من هم أعداء إسرائيل في أوساط الفلسطينيين، ومن هم أصدقاؤها الذين تبقوا بينهم حتى الآن، تبدو اليوم مهمة مستحيلة من هم بالضبط الفلسطينيون الذين ينفذون العمليات ضد إسرائيل؟ هل هم الذين يطلقون بالضبط الفلسطينيون الذين ينفذون العمليات ضد إسرائيل ؟ هل هم الذين يطلقون على الطرقات وبإتجاه المستوطنات ؟ أم أنهم أولئك الذين يطلقون القذائف المدفعية ؟ مثلا صرح رئيس الشاباك آفي ديختر في جلسة الحكومة بأن جهاز الأمن الوقائي في غزة قد تحول إلى منظمة إرهابية بكل معنى الكلمة يبدو أن المشاركة في الإنتفاضة قد تحولت إلى نوع من الأمر الوطني الفلسطيني الذي يشمل الجميع . النماذج السابقة في المكتوبة من خلال الصحافة الإسرائيلية تدل على أن هناك تفسيرات عديدة لظاهرة الإنتفاضة كان منها فشل سياسات باراك، ومحاولة فرض الاستسلام على الفلسطينيين في وسط أتون المواجهات الدامية مع إسرائيل وقوتها العسكرية، من هنا فإن الإنتفاضة أصبحت بمثابة صياغة حياة بالنسبة للفلسطينيين. ـ كاتب سياسي مصري