كيف يستطيع الانسان ان يكون (هو) كما يريد، لا كما يريده الآخرون، بمعنى أن يكون انساناً متميزاً متفرداً عن الجميع، حيث لا يشبهه احد، ولا يكون نسخة عن الآخرين؟ هذا السؤال قد يمر عليه البعض دون مبالاة، لكنه قد يؤرق البعض حقاً، ومنهم المهتمون وأساتذة علم التربية والنفس والسلوكيات. ان التربية في مجتمعنا (سواء كانت في الأسرة او المدرسة او..) لا تعين الفرد على اكتشاف ذاته وفرديته، ولا تدله على كيفية تنميتها وتطويرها، للأسف فإن مجمل العمليات التربوية والتعليمية المتتابعة في حياتنا تحاول جاهدة ان تجعل كل فرد مشابهاً للآخر او نسخة منه، حتى يظن الشخص بأنه اذا لم يصبح نسخة كربونية عن الآخرين في نمط التفكير والسلوك، فهو سيئ وانطوائي او مغرور ومتعال وخارج عن تقاليد المجتمع، ويجب ان نحذر منه او نبتعد وألا نرتبط به لأنه مثار أقاويل واشاعات!! في المدرسة ـ وكلنا مررنا بهذه التجربة ـ وفي حصة الرسم مثلاً تأتي المدرسة لتعلم التلاميذ ان يرسموا الاشجار مثلاً، وتقوم برسم شجرة على السبورة، وتطلب منهم ان يرسموا او يلونوا كما فعلت أمامهم، وبالفعل يبدأ التلاميذ في الرسم تماماً كما رسمت المعلمة، لكن واحداً او اثنين تعلموا كيف يعبرون عن انفسهم بشكل افضل، يقولون في داخلهم: «هذه المعلمة ربما لم تر في حياتها شجرة على الاطلاق» لأنهم باختصار يختزنون في ذاكرتهم صوراً واضحة المعالم لأشجار كثيرة، تسلقوها ربما، وداروا حولها وسقطوا من فوقها، وهي لا تشبه الشيء العجيب الذي رسمته المعلمة!! وحينما يبدأون في رسم اشجارهم الخاصة ويلونونها كما يرون هم، ثم يذهبون بها الى المعلمة، تنظر اليهم بتعجب ثم تقول بامتعاض: ما هذه الشخبطة؟ ألم تروا ما رسمته أمامكم؟ في اعتقاد علماء التربية والسلوك هؤلاء هم الافضل من بين كل التلاميذ الذين رسموا اشجاراً تشبه شجرة المعلمة بالضبط! اننا نعيش بالفعل وسط مجتمع وثقافة لا يقاس الانسان فيها بما هو عليه تفكيراً وثقافة وتميزاً، وانما بالذي يمتلكه وبقدرته على ان يصبح مثل الآخرين تماماً في ملبسه، وطراز سيارته ومنزله وتصرفاته وحتى الأسماء التي يختارها لأبنائه والبلدان التي يقضي فيها اجازته ونوعية الاصدقاء الذين يرتبط بهم، اما اذا فكر ان يسلك في الحياة بما يعتقد بأنه الطريقة الصحيحة التي تعبر عن شخصيته بصدق ووضوح فإنه يكون قد دخل في مواجهة مع المجتمع وسيتحمل الكثير في سبيل ذلك. هذه الثقافة التربوية تحتاج الى مراجعة جذرية، وهؤلاء الذين يحاولون ان يكونوا هم انفسهم، وليسوا مجرد نسخ، ما عليهم سوى التمسك بأشجارهم الخاصة التي يعرفونها بثقة وألا يتنازلوا عنها ابداً! Aisha@albayan.co.ae