مدينة تحولت الى ساحة قتال، عوضا عن السيارات «الصالون» تزحف على الشوارع دبابات عملاقة، وبينما تطلق الدبابات قذائفها على بنايات سكنية مأهولة يندفع جنود مشاة نحو الشقق في بنايات اخرى .. يقتلون وينهبون مدنيين عزلا. وتتابع صرخات النساء مع توالي سقوط القتلى الشباب والرجال: اخوة او ازواج او ابناء، ويتتابع تشييع الجنائز في مواكب تمتزج فيها مشاعر الحزن مع فوران الغضب. هذه بايجاز الصورة المتحركة لما ظل يجري خلال الايام القلائل الاخيرة بعد ان اقتحمت القوات الاسرائيلية مدن الضفة الغربية المفترض ان تكون تحت الادارة الفلسطينية. فماذا يقول جورج بوش الذي يملأ الدنيا ضجيجا بخطب او تصريحات يومية عن الارهاب على خلفية حرب امريكية ضد افغانستان باسم مكافحة الارهاب؟ ام ان ما تمارسه اسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين ليس ضمن التصنيف الامريكي للارهاب؟ في مقابل مقتل نفس اسرائيلية واحدة (وزير السياحة (رحبعام زئيفي) قتل الاسرائيليون في المرحلة الاولية لاجتياحهم مدن الضفة عشرين مدنيا فلسطينيا بينهم اطفال فماذا كان رد الفعل الامريكي؟ لم يكن مطلوبا من الولايات المتحدة ان تبتدر انشاء «تحالف دولي» بقيادتها لشن حرب على اسرائيل. كان المطلوب فقط ان تصدر ادارة بوش ادانة لفظية تدمغ الفعل الاسرائيلي بالارهاب حتى يصدق الناس ان «مكافحة الارهاب» تنطلق من واشنطن كمبدأ اخلاقي لا يفرق بين الاعراق والاديان والمواقع الجيوبوليتيكية، لا مجرد اداة لخدمة السياسة الدولية الامريكية واعتباراتها الذاتية. لقد جاء رد الفعل الامريكي على لسان مسئول في وزارة الخارجية وهذه هي كلماته بالنص: «ان دخول القوات الاسرائيلية الى المناطق الواقعة تحت سيطرة الفلسطينيين غير مفيد، ويعقد الوضع، ويجب ان يتوقف». واول ما يلاحظ ان هذا القول ذا التركيبة اللفظية الغامضة لا يحمل اي معنى، فهو يخلو من الادانة لانه يخلو اصلا من ذكر العمليات الوحشية التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية ونتائجها الدموية. ثم ان هذا التصريح لا ينطوي على مطالبة امريكية للحكومة الاسرائيلية لتسحب قواتها. وفي الحقيقة فان رد الفعل الامريكي على هذا النحو الذي يعكس تحيزا مغلفا للطرف الاسرائيلي لايخرج عن اطار السياسة التقليدية للولايات المتحدة تجاه الصراع العربي الاسرائيلي، واذن كيف يقال لنا ان هناك تغييرا جذريا طرأ على هذه السياسة عندما ادلى الرئيس بوش مؤخرا بتصريح ذكر فيه «الدولة الفلسطينية» المستقبلية؟ القول الفصل في تحديد قيمة هذا التصريح الامريكي جاء على لسان عمرو موسى امين عام الجامعة العربية فقد قال ما يلي: «ان الاعتراف بضرورة الانتهاء بالعملية السلمية الى قيام الدولة الفلسطينية هو وضع للامور في نصابها ولكن التصريحات لا تكفي ابدا .. ولابد من خطوات عملية ومن تحرك على الارض ننتظره الآن». هذا التحفظ ينطلق بالطبع من مؤشرات الوضع الحاضر، فالولايات المتحدة اذ تلتزم السكوت على عمليات الاغتيال الاسرائيلية التي طالت حتى الآن نحو 70 ناشطا فلسطينيا فانها تعتبر اي رد فلسطيني بالمثل عليها عملا ارهابيا. وعندما يسقط مدنيون ابرياء داخل الولايات المتحدة نتيجة هجوم ارهابي فإن واشنطن تعمد الى انشاء تحالف دولي لشن حرب ضد الجهة التي ترى انها مسئولة عن الهجوم، لكن عندما يسقط مدنيون فلسطينيون نتيجة هجوم اسرائيلي علني فان اسرائيل لاتتلقى حتى مجرد ادانة لفظية. وهذا اوضح مؤشر للتصور الامريكي بطبيعة وشكل الدولة الفلسطينية المستقبلية: ان تكون كيانا تابعا خاضعا تماما للسيطرة الامنية الاسرائيلية.