من الواضح ان اللغو الذي يصدر هذه الأيام عن منظمة القاعدة التي تتخذ من أفغانستان ملجأ لها، وسواء ذاك الذي جاء على لسان زعيمها أسامة بن لادن أو الناطق باسمها سليمان أبوغيث، هو مبعث سوء وضرر بالنسبة للكثرة الكاثرة من العرب والمسلمين، الذين تسميهم الأدبيات الراديكالية من يسارية واسلامية وقومية، بالخانعين والمستسلمين والقاعدين عن النضال والجهاد. ونقول ان ذلك اللغو هو مبعث سوء وضرر لأنه ألب ويؤلب على نحو شبه بدائي وغريزي العالم الغربي ضد كل ما هو عربي ومسلم، حتى بات هؤلاء صيدا سهلا لمحترفي ارتكاب الاهانات والعجرفة من الاوروبيين والامريكيين، في المطارات وبوابات الحدود. وقس على ذلك ان الاعتداءات التي شهدتها نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من الشهر الماضي، لم تفعل في الواقع سوى ايقاظ الحس الأمني النائم أو المنوم لدى الاجهزة الغربية، وهي أطلقتها بصورة خرافية لم تعتدها حتى المجتمعات الغربية نفسها. بالطبع سيقول بعض من يرون اليوم في اسامة بن لادن أو أبوغيث أو الملا محمد عمر أبطالا ومحررين، ان اقلاق راحة هذه الاجهزة مهمة وطنية واسلامية من الدرجة الأولى، فإن ذلك وفق مريدي ابن لادن، هو غاية الغايات وأمنية الأماني التي سيتجلى بعدها النصر المبين!ولكن ما لا يدركه هؤلاء انهم بذلك لا يفعلون سوى عزل أنفسهم وجر مئات الملايين من الابرياء خلفهم نحو الانتحار. حالة اليأس إن ما يدعو اليه هؤلاء في نهاية التحليل، ليس سوى تعبير واضح عن العجز واليأس. العجز عن الاستجابة لتحديات الوقاع الدولي، والعجز عن ابتكار الوسائل وايجاد الامكانيات لمواجهة هذه التحديات، يعقبه يأس من الحياة وتضئيل لقيمتها، يدفع صاحبه الى التفتيش عن الخلاص بأية وسيلة وبأي ثمن. وهذا الخلاص ليس سوى الموت، سواء جاء عبر الانتحار بواسطة الطائرات المخطوفة أو المتفجرات أو صيدا للمقاتلات الامريكية. ومن يصل الى هذه المرحلة من اليأس والرغبة في الانتحار، لا تعدو حياة الناس بالنسبة اليه أثمن من «جناح بعوضة»، بل هو يفضل ان يذهبوا معه الى الآخرة رغم أنوفهم. معركة الزيف رب سائل يتساءل، وفي منطقتنا لا أحد يسأل عادة، فالجميع يعرفون كل شيء، هل يمكن ان يشكل ما يدعو اليه اتابع طالبان معركة حقيقية بالنسبة للمجتمعات العربية؟ ما هي أولويات هذه المجتمعات.. هل هي الحرب الدينية أم الحرب المدنية؟ أهي الحروب التي تخاض من أجل اثبات أفضلية هذا الدين أو ذاك؟ أم الحروب ضد الجوع والفقر والتخلف والأمية، حروب الاقتصاد والتقدم التكنولوجي والثقافي، فضلا عن قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان وتحقيق قدر أكبر من المشاركة الشعبية في مجتمعاتنا العربية. الواقع ان المعركة التي يسعى ابن لادن وتنظيم القاعدة ومن ورائهم طالبان وحشد واسع من الجماعات المتطرفة ان يجروا المنطقة اليها، هي معركة عبثية وعديمة المعنى وخاسرة سلفا. فهي ليست معركة بين مشاريع حضارية أو كتل اقتصادية أو قوى سياسية، وإنما معركة تخوضها جماعات مأزومة ومذعورة تعيش ظروف ما قبل الحضارة، ترفع شعارات لا معنى لها، وتتوسم الارهاب والقتل أسلوب ووسيلة، ضد مراكز القوى والتقدم الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي في العالم. ورغم ان عنوان معركتهم هو الاسلام ضد الغرب أو الغرب ضد الاسلام، الا انها تخفي فيما يبدو بداخلها دوافع قديمة لدى هذه الجماعات والمتعلقة باضعاف حكومات بلدانها وتجييش الشارع تمهيدا لتنحيتها عن السلطة. وهي علاوة على ذلك لا تمنح ملايين العرب والمسلمين أي مكسب حقيقي في نهاية المطاف. فما الذي يستفيدون منه اذا ضربت الولايات المتحدة أو تكبدت خسائر في الأرواح والممتلكات؟ ان الدول العربية والاسلامية ليست في حالة منافسة مع واشنطن، كما ان واقع هذه الدول لا يدل على ان الولايات المتحدة عدوة لها، ولم يثبت انها وقفت في طريق أي خيار جدي ومسئول اختارته دولنا. لذلك فإن الحديث عن معركة من هذا القبيل هو مجرد افتعال لصراع مدمر لا يحمل وجاهة من أي نوع. بالطبع يمكن ان تفهم وربما الموافقة دون تحفظ على ان هناك الكثير مما يمكن ان يؤخذ على السياسة الامريكية في المنطقة. فهناك المشكلة الفلسطينية التي من غير المناسب أخلاقيا للدول الغربية ان تواصل سكوتها على استمرار الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهناك حصار العراق، وهو حصار لم يكن مقبولا في السابق، وهو ليس مقبولا اليوم ايضا، لاستهدافه المدنيين وتحويل حياة العراقيين الى جحيم متواصل منذ أكثر من سنوات. ولكن القضية هي كيف يمكن معالجة كل ذلك؟ هل بمزيد من العنف أم مزيد من السياسة؟ عدا ان وصفات ابن لادن وأبوغيث ومن لف لفهما، لا تترك مجالا سوى لاشتغال آلية التدمير والقتل الناجمين عن اثارة الاحقاد والمنازعات الدينية غير القابلة للحل أو الحسم. السيناريو .. الكابوس من المهم في هذا السياق لفت النظر الى الآثار البعيدة الناجمة عن اثارة صراع من هذا النوع. ان أقل نتيجة يمكن تحقيقها هي تقسيم العالم ليس على أساس الغرب والشرق، وإنما بين العرب والمسلمين من جهة وبقية دول العالم من جهة اخرى، فلم ينس الناطق باسم القاعدة في خطابه الأخير ان يشمل الهندوس ايضا من ضمن حملته أو معركته ضد النصارى واليهود، وقد يضم اليهم في مرحلة لاحقة البوذيون والاديان الأخرى في العالم. وبالتالي يصبح الصراع بين الاسلام والاديان الأخرى. وحينها تبدأ طاحونة التمييز الديني بالدوران لتحصد أول ما تحصد بين رحاها للأسف المسلمين قبل غيرهم. والمسألة ليست بحاجة الى حسابات قليلة أو كثيرة، فحسابات الربح والخسارة هنا واضحة، فجميع الدول العربية والاسلامية هي دول نامية، تعتمد في اقتصادها وفي ادارة شئون حياتها، بل في طعامها احيانا على العلاقة مع الدول المتقدمة. ولنتصور ان بوادر حرب دينية قد نشبت فعلا، فإنها سوف تعني أول ما تعني قطع كل صلة لنا بالدول الاخرى، بما في ذلك الصلات البشرية والاجتماعية. وستصبح المقاطعة والحصار الذي تشكو منه بعض الدول العربية حاليا بمثابة لعب أطفال قياسا بما قد يحدث في ظل هذا السيناريو. ولن يمكن تصور شكل المستقبل، بل لن يكون ثمة مستقبل أصلا. إنه كابوس لا يمكن تصوره، ولكن الحقيقة التي تعيدنا لحسن الحظ الى سوية الواقع وتخرجنا من ظلامات طالبان والقاعدة، هي ان العالم ـ ونحمد الله على ذلك ـ ليس مقسما على أساس الأديان، بل هو أبعد ما يكون عن ذلك. فالولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من الدول الغربية لا تقدم نفسها على أساس انها دول مسيحية، وهي لا تقيس علاقاتها مع باقي الدول على الأساس الديني. كما ان الدول العربية والاسلامية لا تتصرف في علاقتها مع باقي العالم انطلاقا من الدين. إن العلاقات الدولية قائمة اليوم، وبسبب الآلام المريرة التي عانت منها شعوب كثيرة جراء الحروب الدينية والأطماع التوسعية بالذات، على أساس الشراكة في الحياة والعمل في اطار مصالح وقوانين دولية. قد تكون هذه القوانين غير عادلة احيانا، وقد تكون مصالح الأقوياء فيها هي الغالبة والنافذة، لكن بالطبع هي توفر الحد الأدنى من السلامة للجميع، كما توفر الأمل في التقدم والمواكبة يوما ما، وهي بالتأكيد أفضل من حروب الغاب والصراعات الدينية التي لا تبقي ولا تذر. ـ كاتب بحريني