مازلت اعتقد ـ حتى يقنعني احد بغير ذلك ـ ان ما شاهدناه ونشاهده حولنا مما يسمى بالارهاب وما اعقب من حروب وحشود وتظاهرات وانشقاقات، انما هو سياسة، وليس من الدين في شيء. قد لا يكون هذا الذي يحدث راهناً افضل انواع السياسة ولا ادقها، ولا ارقاها، بل هو شيء ثقيل وكريه من السياسة. ومن اراد ان يخلط هذا بذاك، فإما انه يفعل ذلك عن قلة معرفة وتبصر، واما انه يريد ان يستخدم العاطفة الدينية لتحقيق اغراض سياسية، وقد حدث ذلك في اكثر من مرحلة من تاريخنا العربي والاسلامي. والشواهد على ما اقول كثيرة، لعلني انتقي منها بعض ما تيسر. فأمامي وانا اكتب هذا المقال دراسة للراحل اقبال احمد عنوانها «ارهابهم وارهابنا» وايضاً كتاب صدر العام الماضي لخالد خليل اسعد تحت عنوان«مقاتل من مكة» وهو بالطبع عن اسامة بن لادن، ولعله قد اتضح للقارئ الان ان الموضوع الذي اريد ان اتحدث فيه هو السياسة في ثوبها الارهابي. لعل من نافلة القول البدء بالاشارة الى ان الارهاب هو مفهوم متحرك وسياسي في المقام الاول، فأول وعي بكلمة «الارهاب» في الشرق الاوسط، كان في الموسوعة البريطانية، وهي تتحدث عن الارهاب، وكان ذلك هو ارهاب الجماعات الصهيونية في الثلاثينيات، وانا اتحدث عن الشرق الاوسط، وليس الارهاب في العالم الذي خبرته وعانته الحضارات والثورات المختلفة، ومن بينها الثورة الفرنسية. ولقد تحول الارهاب في الشرق الاوسط بعد الحركة الصهيونية الى الحركة الفلسطينية، فأصبح الارهاب مرادفاً لصورة السيد ياسر عرفات وهو يتمنطق بمسدس يتدلى من وسطه، ويعتمر كوفيته المرقطة الشهيرة. وفي المقابل ظهر الرئيس الاسبق للولايات المتحدة رونالد ريجان في سنة 1985، في صورة شهيرة التقطت في البيت الابيض، متوسطاً مجموعة من الملتحين (المجاهدين الافغان) الذين يبدو لمن يراهم لأول وهلة انهم قادمون من القرون الوسطى، ويقول الرئيس مفاخراً للصحافيين الذين تجمعوا حوله: «ان هؤلاء هم المعادلون الاخلاقيون لآباء امريكا المؤسسين». كان ذلك في فترة احتدام المعركة بين الغرب بزعامة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي الذي كان ريجان يطلق عليه وقتها «امبراطورية الشر»! وفي اغسطس 1998 قام رئيس اخر للولايات المتحدة هو السيد بيل كلينتون بارسال الصواريخ على بلاد الافغان، الذين كانوا «المعادلين الاخلاقيين للآباء المؤسسين». وفي 11 سبتمبر 2001 قامت جماعة (ممن يحميهم اولئك «الآباء المؤسسون») بضربة موجعة وغير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة، لتندلع شرارة حرب بدأت الان، ولا نعرف متى ولا كيف تنتهي. ومن فترة الى اخرى، وحسب ارادة القوى الدولية، يتحول مفهوم «الارهاب»، فياسر عرفات الذي طالما وصف بـ «الارهابي» اصبح موضع ترحيب في البيت الابيض و 10 دواننج ستريت، مقر رئيس الوزراء البريطاني، والارهابي «مناحيم بيجين» حصل على جائزة نوبل للسلام (!) مناصفة مع المرحوم انور السادات. صحيح ان رؤساء العصابات الصهيونية اصبحوا «رجال دولة» يحصلون على جائزة نوبل، وصحيح ان ياسر عرفات بدوره حصل على جائزة نوبل للسلام، ولكن الصحيح ايضاً ان لكل من هؤلاء مشروعاً سياسياً واضح المعالم، لم يوافق عليه بعض الاطراف في العالم في مرحلة ما، ثم عادت هذه الاطراف فوافقت، ولو بصورة ما، على المشروعين، مشروع الدولة اليهودية في فلسطين، والدولة العربية في فلسطين. والسؤال الذي لا مناص من طرحه الآن هو: ما مشروع ابن لادن الحقيقي، طبعاً غير التخريب والتكفير والتحطيم؟! هنا اعود الى مقالة الراحل اقبال احمد الذي توفي في اسلام اباد ـ وياللمفارقة، في 11 مايو 1999 ـ يقول اقبال انه التقى بن لادن في سنة 1986 بناء على نصيحة مسئول امريكي (يشك اقبال في انه من المخابرات الامريكية) اما انطباعه بعد المقابلة فقد كان «ان ابن لادن هو حليف لأمريكا». يكثر المحللون الغربيون خاصة، ويتبعهم كثرة من العرب، من ترديد ان ابن لادن قد غير تحالفاته بعد سنة 1990، عندما حضر الامريكيون الى الجزيرة العربية، وهي قصة قد تنطلي على البعض، لعدم معرفتهم بحقيقة الامور، هذا ان احسنا بهم الظن، بينما يلجأ اليها البعض الاخر رغبة في التضليل. ولكن الحقيقة ان من قرأ التاريخ الحديث او اطلع ولو قليلاً على ما يجري، يعرف معرفة يقينية، ان هناك تناقضاً فاضحاً في هذه المقولة الذرائعية. فكيف يتعاون ابن لادن مع الامريكيين في باكستان وافغانستان ابان الحرب ضد السوفييت، وفي الوقت نفسه يطالب باخراجهم من الجزيرة بعد ذلك؟ ولماذا لم يمتنع عن التعاون منذ البداية مع بلد «كافر» مثل الولايات المتحدة لتحرير «بلد اسلامي»؟ حقيقة الامر ان الذريعة متهافتة الى درجة لا تصدق. ابن لادن وجماعته لا يحملون مشروعاً، وان كان لديهم مشروع فهو مشروع «قروسطي» متخلف لا يناسب العصر الذي نعيش فيه، ولا يرتبط به بأدنى صلة. وهنا اعود الى الكتاب الذي ذكرته في صدر هذا المقال «مقاتل من مكة»، وهو كتاب يبدو متواضعاً طبع على ورق رخيص، ولكنه في تقديري بالغ الاهمية لما تضمنه من حقائق، يقول الكاتب فيه ضمن ما يقول: ان اسامة بن محمد بن عوض بن لادن (ويكر السلسلة الى الجد الخامس والعشرين) كان رجلاً طموحاً للغاية، فقد خاض صراعاً مع اخوته غير الاشقاء، وقد بلغ عددهم سبعة وخمسين اخاً واختاً. من اجل توزيع ثروة والدهم، وحتى لا تترك في ايدي كبار الاخوة، وكان شديد التعلق بوالدته لانها «عالمه ودنياه» ـ كما يشير الكاتب ـ ثم عمل في شركاته مع عدد من الاجانب كان من بينهم عدد كبير من الغربيين وخاصة الامريكيين، فهو اذن لم يفاجأ بوجودهم! ثم نشط اسامة في تجنيد من يرغب من الشباب للهجرة الى افغانستان في الثمانينيات، ومول وجودهم هناك حيث دربوا على اسلحة امريكية كان هو نفسه وسيطاً في الحصول عليها، خاصة الاسلحة المتقدمة، بل اصبح ابن لادن بطلاً في نظر عدد من الزعماء الشرق اوسطيين ومنهم المرحوم الرئيس انور السادات الذي يقول الكاتب انه «اهدى وفد المجاهدين الذين زاروا مصر مع اسامة بن لادن كميات كبيرة من السلاح دعماً للجهاد الافغاني». وايضاً ظهرت له صور مع الرئيس عمر البشير، بل انه في مرحلته السودانية تزوج ابنة اخت الدكتور حسن الترابي، وتم الزواج في (عاصمة الضباب، لندن)، كما عمل على تمويل عدد من المشاريع التجارية والاقتصادية في السودان، ثم شارك السيد الترابي في بعض هذه المشاريع، وبعد ذلك قدمت بعض شركاته الى المحاكمة في السودان بتهمة الفساد! وهناك تفاصيل كثيرة ومثيرة في حياة ابن لادن الرجل الطموح الذي توافقت وتضافرت تربيته ووجوده وسط عدد كبير من الاشقاء، وتعاطفه مع والدته، التي وجدت نفسها بين عدد كبير من الضرائر، ثم الفرص التاريخية التي صادفته لتؤدي كل هذه الظروف. مجتمعة، الى اشتعال طموحات ضخمة في شخصية الرجل، حاول ان يخرجها الى العلن، ولكن بشكل سلبي، فالرجل ومجموعته، بعد انهاء الصراع الدولي على افغانستان، وجد نفسه بندقية دون سند، حاول في السودان، ولكن السودان البلد الذي له تقاليد الدولة لم يسمح له، فوجد ضالته في افغانستان البلد المتخلف الذي يفتقر الى البنية التحتية للدولة بالمعنى الحديث، وانطلقت شروره عن طريق اقناع بعض المتشددين بمشروع عبثي هو «محاربة العالم»، ومن بين العوامل التي ساعدته على حمل هذا المشروع غياب الدولة في أفغانستان المنكوبة، وهو ما كثف قدرات الرجل شديد الطموح، الذي يشعر في الوقت نفسه باحباط هائل، بعد ان قدم ما قدم، فتحول إلى شمشون، رافعاً الشعار المشهور، «عليّ وعلى أعدائي» فإذا لم يكن لي مكان متقدم معكم فسوف أهدم المعبد «العالمي» على رؤوس الجميع! دروس كثيرة تبرز من ظاهرة «ابن لادن» ورفاقه وأعمالهم بقطع النظر عن كثرة هؤلاء الرفاق أو قلتهم.. دروس يمكن استخلاصها من كل ما تقدم، ربما لا يكون الوقت ولا المكان مناسبين للحديث عنها بالتفصيل، ولكن من المهم القول في هذه العجالة المتاحة ان هذا الرجل والذين معه لا يملكون مشروعاً سياسياً حديثاً، ومن قال بغير ذلك فقد غاب عنه الوعي بما جرى ويجري، كما ان شعاراته تبريرية في الغالب ووسائل انتحارية كما هي اليوم. لكن يظل أعظم درس يمكن استخلاصه من وسط غبار هذه المعمعة انه عندما تقوم دولة ما بجمع الشياطين دون ان تعرف كيف تصرفهم بعد ذلك فحينئذ تتحقق الكارثة. ادعو الله ألا تقوم أمريكا وحلفاؤها بتجميع شياطين جدد قد يكونون في المستقبل أكثر عنفا .. من هؤلاء الشياطين الذين تحاربهم الآن! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت