حروب زمان كانت حروباً شرسة.. خيول وصهيل وسيوف ورماح وسبي وحصار.. خنادق وسدود، غبار وأمطار، السيوف تقطع الأعناق.. والفرسان تجندل الفرسان، ودماء تسيل بها الانهار فتصبغها بلون الدم، لا صلح ولا تهاون الا عندما تستسلم القبيلة للقبيلة المهاجمة أو ان تبيد احداهما الاخرى وتستولي على أرضها ونسائها واطفالها بعد ذبح رجالها وضم الاراضي الجديدة لأرض الفائز ونساء المهزومين لحريم الفرسان الفائزين، حيث يحتفل الفائزون بنصرهم بالسهر حول الخيام والرقص والعربدة عدة أيام وليال. كانت الحرب في هذا الزمان البعيد هي الحرب «منتصر منتش، مهزوم مسحوق»! كان هذا واضحا في كل حروب الماضي، ربما في الماضي البعيد وربما في صدر الاسلام وربما قبلهما وربما بعدهما في حروب هولاكو والروم والفرس، أو قبلهم في حروب الفراعنة والفينيقيين. وكانت أقصى ما يمكن ان تسجل به الدولة المنتصرة انتصاراتها هو نقش هذه الانتصارات على جدران المعابد أو أحجار آثارهم نقشا لا يمحوه الزمان أو في أحسن الاحوال تسجيله على أوراق بلغة ركيكة يتم تداولها حتى تعرف الاجيال التالية ما فعلته أجيالهم السابقة. هذه الحروب اختفت وللأبد، وظهرت بدلا منها الآن حروب جديدة.. بعضها الكتروني وبعضها بكتيري وبعضها جرثومي أو كيميائي.. هذا فضلا عن حرب النجوم وحرب العدالة الى الأبد وحروب اخرى على الشاكلة نفسها والتي يتم اختيار اسمائها بعناية فائقة. ولم تعد الحروب الحديثة عشوائية أو فجائية فهي تبدأ الآن بخطب تهديد ووعيد ثم لقاءات دبلوماسية وزيارات للحلفاء وتبدأ آلة اعلامية جبارة على مستوى العالم في الدوران ويتم تجهيز الكاميرات وارسال المراسلين ونقل استعدادات الحرب المنتظرة على الهواء لحظة بلحظة وتنقل لنا الكاميرات الحرب بدءا من وداع المقاتلين أو أفراد الجيش المحارب لأبنائهم وبناتهم وتدخل الكاميرات خلفهم وهم يرتدون ملابس الحرب ويجهزون حقائب السفر الى أرض المعركة وتظل الكاميرا تتنقل معهم الى ان يركبوا آلتهم الحربية سواء أكانت طائرة أم صاروخا أم مدمرة أم دبابة. حتى الآلة العسكرية شكلها قبل استخدامها وقبل الدمار الذي ستسببه للآخرين تبدو أنيقة وملونة ومزخرفة وعليها علم الدولة المحاربة.. حتى القنابل والصواريخ التي يصل سعر بعضها الى أكثر من مليون دولار للواحد تبدو في شكلها النهائي بألوانها المختلفة وتصميمها الهندسي انيقة.. والغريب انها تكون مزينة بشرائط حريرية ملونة كالشرائط التي تربطها الامهات لطفلاتهن في شعورهن قبيل الذهاب للمدرسة. ثم تبدأ قوافل الاغاثة والصليب الاحمر والمستشفيات المتنقلة في الاستعداد للتحرك الى أرض المعركة انتظارا للقتلى من الطرف الآخر، أي الطرف الغلبان الذي ستنصب على رؤوس رجاله ونسائه واطفاله كل هذه المتفجرات والقنابل والصواريخ وتسمى هذه في مجملها مستشفيات الميدان. ويجب ان نلاحظ ان كل هذا يحدث تحت أضواء وفلاشات الكاميرات وأصوات المعلقين والمعلقات بكل أشكالهم وألوانهم الى ان تبدأ الحرب ويبدأ الدمار، وهنا يشاهد العالم كله، الصالح منهم والطالح وعلى الهواء مباشرة أضواء القنابل ودخان الصواريخ ونيران الطائرات وهي تدك العدو، ويبدأ الصحفيون والمراسلون في كتابة تقاريرهم وارسال صورهم وتستضيف كل قنوات العالم الخبراء والعسكريين والسياسيين والمشاهير ليعلقوا ويحللوا ما يحدث على الهواء مباشرة والمسألة مسألة أرزاق.، ناس تموت وناس تغتني. الظريف في هذه الحروب ان الطائرات التي تلقي بالقنابل الهادمة والحارقة والتي تجتث مدنا وقرى من فوق ظهر الأرض تعقبها بعد ذلك طائرات اخرى تلقي طعاما وغذاء وأغطية وربما حلوى وهدايا للأطفال على نفس الأرض التي مسحتها الطائرات الأولى من على الخريطة، ويظهر في الكادر طفل صغير يبكي، ربما من جوعه وربما من رعبه ويسرع ليلتقط علبة من تلك التي ألقت بها طائرات الرحمة التي جاءت بعد طائرات الابادة وقبل ان يصل الى علبة الطعام ليسكت جوعه وظمأه ينفجر فيه لغم ألقته الطائرات المهاجمة ولكن لم ينفجر.. لقد كان في انتظار هذا الطفل البائس.