أن تنجح يعني ان تبدأ أولى خطواتك في طريق المستقبل الذي تستحقه والذي رسمته وتعبت كثيراً لاجل تحقيقه، لكنك تعلم يقينا بأن هذا الطريق لن يكون هادئاً، بل على العكس سيكون هادراً، وعلى جانبيه ستقف طوابير لا تنتهي من اعداء نجاحك، أولئك الذين يعني نجاحك بالنسبة لهم تهديداً كبيراً، وفقداناً للكثير من المصالح والغايات. ان تنجح يعني ان تسلك طريقا مليئاً بالدبابير، أردت ذلك أم لم ترد، تخيلته بهذه الشراسة ام لم يخطر على بالك، فالحياة على ما يبدو قد تأسست منذ الازل على ثنائيات الصراع الذي لا ينتهي بين الموت والميلاد، الخير والشر، الهدى والضلال، والجمال والقبح...! بالامس القريب ملأني الاسى وانا استمع لحكاية انسان ناجح ومتميز ومختلف، متحرر من عقد الغيرة والاحقاد وبيروقراطيات التخلف واللعب على حبال المنفعة، ذكاؤه صنع نجاحه، ونجاحه هيأ له حياة جيدة وأصدقاء مهمين، لكنه خلق له في المقابل اعداء في السر والعلن، اتفقت مصالحهم ضده وتعارضت نجاحاته مع اهدافهم، ما جعلهم يوقفون مؤامراتهم على عتبات حياته وتألقه، ويقررون الخلاص منه بأساليبهم الخاصة! ولانه لم يحتمل فقد حزم حقائبه ورحل! وفي طريق الرحيل كرر قائلا لمن كان ينصحه بالبقاء ومقاومة الحرب القذرة والبحث عن حلول واشخاص يساعدونه ويقفون معه: «ليس في الحياة متسع أضيعه في حروب عبثية مع اناس لا يعرفون قيمة الحياة في العلن»، رحل ومنذ ايام تلقيت رسالة عبر البريد الالكتروني يقول فيها: «مرحبا من ارض الغربة، انا هنا أفضل حالاً، انني اعمل في برد الاغتراب واتدفأ بنجاحي، واصوات الهاربين مثلي، وبرسائلكم»! انتهت الرسالة. ومثل هذه الحكايات كثيرة، تنسج الحياة وتطرزها، وتكون ثوبها ودثارها ووقود استمرارها وتألقها، مثل هذه الحكايات نسمعها كل يوم، فتزيدنا حزنا ليس على الناجحين الفارين من غزو اسراب الفاشلين، ولكن على هؤلاء المبتلين بمرض كراهية النجاح للآخرين، وعدم احتمال الخير يطرق ابوابهم ويزين حياتهم واعمارهم، هو مرض كالجمرة الخبيثة نهايته الموت، وهم سقم الحياة وشقاؤها، اما الهاربون بنجاحهم، القابضون على جمرة الروح المتقده وشهوة الحياة الحلوة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. حكى لي زميل فاضل حكاية طبيب ناجح، يتكالب الجميع عليه لهدم بناء نجاحه، وللنيل من تألقه، ولتحطيم روحه وطرده، غيرة وحسدا فوجوده ـ كما يظنون ـ يهددهم ونجاحه يسلبهم الكثير، ولتحقيق غايتهم فهم يبذلون مساعيهم في كل الاتجاهات اللامشروعة والتي لا تتناسب مع من اقسم قسم الطب المقدس، لكنهم نسوا لحظة القسم وكلماته، فصاروا يعملون على تشويه سمعة زميلهم، واثارة الغبار على اسمه، ولو بالحيلة والسعي لدى المسئولين للخلاص منه! نعرف ان امثال هؤلاء في مجتمع كالامارات يعج بالتناقضات الانسانية وصراعات الجنسيات والمصالح امر وارد، خاصة وان فرص النجاح والثراء والوصول سهلة ومتاحة خاصة بالنسبة لمهن مرموقة كالطب مثلا، لكن يبقى ان نقول لكل صاحب كلمة ومسئولية وامانة ان عليه ان يبذل جهداً في الحذر واليقظة ليسد اذنيه وابوابه ومجلسه على هؤلاء حتى وان ربطته بهم علاقات ومصالح، فالمسئول يحمل امانة مسئوليته امام مجتمعه وأولي الأمر والله أولاً وأخيراً، وعليه، فإن قطع الطريق على الوشاة من صميم المسئولية، حتى لا يساهم في مؤامراتهم فيحمل الوزر مضاعفاً دون أن يدري، اما اذا كان يدري فتلك مصيبة المصائب! Aisha@albayan.co.ae