كل القوى الخارجية ذات الصلة بالمسرح الافغاني المتحرك، بما في ذلك باكستان، اللاعب الاساسي، تتخذ موقفاً عدائياً لحكومة طالبان. فهل يعني ذلك كما يبدو مرجحاً، ان طالبان تواجه هزيمة عسكرية حتمية يمكن ان تؤدي لاخراجها من مسرح الصراع الجاري بشقيه القتالي والسياسي؟ هكذا تبدو الصورة من السطح. لكن دقق النظر تحت السطح لترى صورة اخرى ذات ملامح مختلفة ـ وبالاحرى متناقضة. تحيط بأفغانستان جغرافيا ست دول. واذا تغاضينا عن الصين التي لا تعتبر ضمن اللاعبين الحاليين في المسرح الافغاني فإن الدول الخمس الاخرى هي باكستان في الشرق والجنوب وايران في الغرب وثلاث من بلدان اسيا الوسطى: طاجكستان وازبكستان وتركمانستان، هؤلاء اللاعبون الخمسة يضاف اليهم قوتان كبريان: الولايات المتحدة وروسيا. والسؤال المطروح هو: ماذا تريد كل من هذه القوى السبع باقحام نفسها في الشأن الافغاني الداخلي؟ دول اسيا الوسطى الثلاث، خصوصاً اوزبكستان مدفوعة بضرورة امنية، فالانظمة الحاكمة في هذه الدول، وكلها انظمة استبدادية، مواجهة بمنظمات اسلامية مسلحة تمثل احداها ـ «الحركة الاسلامية الاوزبكية» ـ التنظيم المظلي القيادي. وقد ظلت هذه الانظمة الحاكمة تشكو منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي قبل عقد من الزمان من ان عناصر هذه المنظمات الاسلامية تلقى داخل الاراضي الافغانية ملاذاً كلما ضيقت عليها قوات الامن الحكومية الخناق. على ان الامر لم يتوقف عند حد الملاذ الآمن خلال السنوات الخمس الاخيرة بعد تسلم حركة طالبان السلطة في كابول. فقد وفرت حكومة طالبان لمنظمات اسيا الوسطى قواعد ومعسكرات للتدريب. واخطر من ذلك وفرت لها امدادات سلاح. وهنا يجب ان نسجل ان الحكومات الباكستانية المتعاقبة بما في ذلك حكومة الجنرال مشرف حتى قبيل تبدل الاحوال مؤخراً ظلت هي مصدر الدعم المادي الذي تقدمه حكومة طالبان للمنظمات المذكورة. والان وقد انضمت باكستان الى الحملة العسكرية الامريكية التي تستهدف حكومة طالبان هل يمكن القول ان اجندة الجنرال مشرف قد تطابقت مع اجندة حكام دول اسيا الوسطى تجاه مصير طالبان؟ ان حكومة الجنرال مشرف ليست متحمسة تماماً لاسقاط حكومة طالبان لأن حركة طالبان تمثل في المبتدى والمنتهى قومية البشتون الافغانية التي تعتبر امتداداً لقومية البشتون الباكستانية عبر خط الحدود الدولية. وفي كل الاحوال فانه حتى في حالة قبولها اسقاط سلطة طالبان فإن باكستان لن تقبل بحكومة افغانية جديدة لا تشتمل على تمثيل بشتوني بنسبة الاغلبية.هذا التوجه الباكستاني لا تعارضه دول اسيا الوسطى فحسب، بل تعارضه ايضاً روسيا. فروسيا وحليفاتها تريدان الحاق هزيمة حاسمة بنظام طالبان تفسح المجال لحكومة تتكون من قوميتي الطاجيك والاوزباك كما هما ممثلتان في «جبهة المعارضة الشمالية» الافغانية. ايران ايضاً تسعى لاسقاط طالبان ولكن لاسباب دينية ولكن طهران اذ لا تمانع في استئثار المعارضة الشمالية بتكوين الحكومة الافغانية المستقبلية فانها تطالب باشراك «حزب الوحدة» ـ الكيان السياسي للشيعة الافغان الذين ينتمون الى قومية «الهزارا». اما الولايات المتحدة فان اجندتها محصورة في تدمير تنظيم «القاعدة» بكل معسكراته وموارده وبنيته التحتية والقبض على اسامة بن لادن او قتله. وعدا ذلك فان واشنطن لا تعير اهتماما كبيراً لمصير افغانستان ـ او حتى مصير طالبان.كل هذه التناقضات بين القوى الخارجية المتصارعة قد لا تظهر الى السطح الان في هذه المرحلة المبكرة. ولكن ظهورها حتمي اذا طال امد الحرب البرية واستعصى على القوات الامريكية تحقيق هدفها. في ذلك الظرف سوف تتحكم التناقضات السياسية على المسرح القتالي لتحيله الى اقتتالات متعددة تتخللها تحالفات تعقد وتحالفات تفض.. وخيانات!