لست اذكر السبب الذي جعلني اسعى يوماً ـ طبعاً منذ سنوات طوال ـ الى لقاء الفنان اسماعيل ياسين عليه رحمة الله والمهم انه كان مكان لقائنا هو كواليس مسرح ميامي في شارع سليمان باشا وسط القاهرة وكان ايامها يعرض عملاً يحمل اسم مسرح اسماعيل ياسين. والحق اقول ان اللقاء اصابني بصدمة او بالأدق بشعور غريب وغير مبرر من خيبة الأمل لماذا؟ لأنني رأيت في العم اسماعيل ياسين الانسان.. البشر.. وليس الكوميديان الضاحك الذي فتحنا الأعين والوجدان على ضحكاته وحركاته وقفشاته ومنا من كان يغشى دور السينما الشعبية في قاهرة الزمانات ويتخذ مقعده لقاء دراهم معدودات في الدرجة الثالثة بطبيعة الحال ـ الترسو ـ كما كان يقول تعبير الشارع القاهري وقتها وما ان يشاهد اسماعين ياسين ـ هكذا كان المعجبون ينطقون الاسم المفضل لديهم ـ حتى يسترسلوا في لعبة الضحك منهم من كان يضحك ملء الشدقين، ومنهم من كان يضحك من القلب جلاء لصدأ القلب، ومنهم من كان يضحك حتى يستلقي على قفاه كما كانت تقول الكتب القديمة في كلاسيكيات اليعاربة الميامين. في لقاء الكواليس لم يحدث شيء من هذا لقد استرسل اسماعيل ياسين في شكوى من كساد المسرح وانصراف المتفرجين (كان مسرح عبدالمنعم مدبولي ـ فؤاد المهندس قد فرض نفسه بفن كوميدي ضاحك من نوع جديد) وارتفاع الضرائب وغلاسة (غلاظة) سكان عمارته التي كان يملكها في الزمالك..الخ. كانت الشكوى حقيقية، وجيهة وطبعاً مشروعة.. ولكن ما اقسى قلوبنا نحن من الجماهير المعجبة بالفنان.. لا نكاد نسمح له بحق الشكوى شأن اي انسان نتصور ان الكوميديان ينبغي ان يظل ضاحكاً في كل موقف ساخرا في كل لحظة، ظريفاً باسما ان لقيته فأنت تتوقع ان تسمع آخر نكتة.. وان سمعته تنتظر ان تسمع دوماً ايقاع نغمة اللونجا السريعة المنتفضة دوماً بالحيوية النابضة ابداً بالحبور لا نغمة الشجن في ايقاع البياتي او الحزن والشكوى من مقام الصبا. خرجنا من مسرح اسماعيل ياسين وقد فهمنا يومها المعنى الذي ذهب اليه المثل العربي القديم: .. تسمع بالمعيدي .. خير من ان تراه. وقد نسيت اصلا من هو بطل هذا المثل السائر وهل كان شخصية حقيقية من عائلة او قبيلة المعيدي ام كان شخصية وهمية اخترعها الرواة ليديروا على محورها هذا المثل الحكيم؟ واذا كان بشار بن برد قد ارسل يوما كلماته المنظومة التي تقول: .. والاذن تعشق قبل العين احيانا. فالحاصل ان عشق الاذن يتيح الفرصة امام انطلاق الخيال والامعان في التصور والاسترسال في التحليق بين احلام اليقظة واضغاث المنام. ذلك لاننا كبشر نفكر بقوالب الصور التي تتشكل في عقولنا وتصاغ معالمها في وجداننا كما يقول والتر ليبمان الذي رحل عن الدنيا في أوائل الستينيات وكان صحفيا كبيرا وربما يعد من رواد علوم الاتصال وفنون الاعلام (كان اول من وضع دراسة علمية رصينة عن اتجاهات الرأي العام ـ ربما منذ أربعينيات القرن الماضي). ويبدو ان الانسان لا يتعلم كثيرا من التجارب في حالتنا الخاصة على الاقل كي لا نظلم الاخرين.. لقد تكررت تجربتنا وعاودنا نفس الاحباط عندما التقينا بالمرحوم الاستاذ محمد عفيفي. ولمن لا يعرف الرجل من الاجيال الطالعة فهو في رأينا من أهم الكتاب الساخرين في أدب العربية المعاصر كان يكتب بابا ثابتا في اسبوعية «آخر ساعة» بعنوان «ابتسامة ما» على ما تعي الذاكرة. وكان الباب يتسم بقدر كريم من اناقة الاسلوب الذي يصدر عن ثقافة ممكنة ورفيعة.. لا يستسلم لاغراء السخر الذي قد يهبط بالكتابة الى مهاوي السوقية دع عنك الشتيمة (الردح كما يقول تعبير المصريين) او مجرد التريقة لزوم ارضاء القارئ أو تسويد الصفحة أو ازجاء الفراغ.. (كم نود لو اتاح ناشر ذكي اعادة اصدار الأعمال القليلة للاستاذ محمد عفيفي لو عكف طالب علم لبيب على اعداد دراسة اكاديمية عن حياته واسلوبه وأعماله). المهم ان شغفنا اعجابا بالكاتب الساخر.. وحاولنا متابعة تكوينه الشخصي فعرفنا اولا انه خريج قسم الفلسفة في جامعة فؤاد ـ القاهرة وانه يملك سيارة «فورد» ماركة عام 1951(!) ولونها احمر غامق (نبيتي) كما كان يصفها ويورد ذكرها في سياق مقالاته الساخرة وقد اتخذ منها مطية للمفارقة واحيانا للسخر من نفسه شخصيا. وكأنها المعادل الموضوعي كما يقول النقاد المحدثون لحمار توفيق الحكيم، والاهم ان عرفنا ان محمد عفيفي صديق عزيز وحميم للعم نجيب محفوظ وان الاثنين اعضاء في جماعة ـ شلة الحرافيش ـ التي كانت تضم اعلاما اخرين في الفن والابداع كان منهم المخرج السينمائي توفيق صالح والضابط الفنان ـ زميل عبدالناصر ـ احمد مظهر. وكان نجيب محفوظ رجلا في غاية الانضباط.. كان يأتي الى جلسة الحرافيش الاسبوعية في الساعة الثامنة تماما.. لا يقدم دقيقة ولا يؤخر دقيقة.. تستطيع ان تضبط ساعتك على دخوله مكان اللقاء وفي جعبته كمية الكباب المكلف او المتطوع ـ سيان ـ بجلبها لزوم السهرة الموعودة.. لا عجب ان يكتب عفيفي مقالة شهيرة عن صديقه الروائي الكبير بعنوان.. نجيب محفوظ: رجل الساعة، لا عجب ايضا ان يسعى المرء الى ان يتعرف على كاتبه المفضل محمد عفيفي وان يوسط في هذا المسعى رائدة اذاعية هي الاستاذة أمال فهمي. هكذا التقيت بالاستاذ محمد عفيفي. الكاتب الذي تقرأ سطوره فيفجر بين حناياك بسمات واحيانا ضحكات على مفارقات القدر وسخريات الحياة. مرة اخرى كان اللقاء شديد الاحباط.. الفينا رجلا.. قصير القامة.. دائم الصمت.. مقطب الملامح.. جادا او متحفظا او متباعدا او انطوائيا او عزوفا عن التواصل مع الآخرين. ولم يكن الرجل في ذلك بدعة بل كان يتصرف على سجيته.. بوصفه كاتبا جادا وله مكانته المحترمة في الهيئة الاجتماعية. وحين يعود الانسان الى تأمل ما جرى بعد تلك السنين بل هي العقود من السنين يتساءل الانسان في محاولة للتعقل او الموضوعية: ترى ماذا كنت اتوقع؟ ان يتكلم الرجل كما يكتب.. ان تقطر احاديثه سخرا وان تفرقع منها الضحكات؟ ان التمثيل مهنة والكتابة مهنة والغناء مهنة وكلها مهن محترمة اذا كانت طبعا تمارس عن ابداع حقيقي ومن خلال موهبة أصيلة.. وفيما عدا ذلك فمن حق الانسان.. الفنان.. كوميديا كان او ساخرا ان يتصرف على سجيته مثل باقي عباد الله الذين يأكلون الطعام ويمشون في الاسواق.. هنالك كان لابد ان نعود الى الاصول الى افلام اسماعيل ياسين التي مازالت ـ وهذا امر غريب ـ تضحك اجيالا من الشباب الى جانب الكبار.. الى ما تحفل به مكتبتنا من نزر يسير من مؤلفات محمد عفيفي التي مازالت تأملاتها الفلسفية واسلوبها «الشيك» كما قد نسميه تسترعي بسمات ترتسم على الشفاه التي اصبحت جافة من تجارب الزمان. ورحم الله صاحبنا.. المعيدي الذي يستجلب الاعجاب من بعيد لبعيد..