قد يكون الوقت مبكراً للحديث عن مستقبل العلاقات الأمريكية ـ الروسية انطلاقاً من المضاعفات الناشئة عن احداث 11 سبتمبر الماضي. لكن انضمام موسكو الى التحالف الدولي لمكافحة الارهاب فور اعلانه، ثم التعاون الكامل الذي أبدته القيادة الروسية، فيما يتعلق بدعم الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان، يؤسسان لمرحلة جديدة في علاقة الطرفين، خصوصاً وانهما مضطران لمواصلة التنسيق بالنسبة لمستقبل الوضع في أفغانستان، وفي مناطق عدة من آسيا الوسطى، لا سيما بعد سقوط نظام طالبان. كذلك فإن موضوع الدرع الصاروخية الأمريكية الذي كان احد ابرز مسببات الخلاف والتباعد بين واشنطن وموسكو، خصوصاً في عهد الادارة الأمريكية الجديدة، سيخضع بالتأكيد لإعادة نظر جذرية، في ضوء تأثيرات احداث الحادي عشر من سبتمبر وما اعقبها من تطورات دولية، وذلك انطلاقاً من عوامل رئيسية ثلاثة: ـ العامل الأول: اعادة النظر في الاستراتيجية الأمريكية القائمة على حماية الولايات المتحدة من أخطار خارجية محتملة، قد يتمثل احدها بقصف صاروخي يستهدف الأراضي والمدن الأمريكية. لكن تفجيرات واشنطن ونيويورك اظهرت ان الخطر الحقيقي يمكن أن يأتي من داخل الولايات المتحدة نفسها وليس من خارجها. كما أن أي عمل ارهابي من الداخل سيكون أقل تكلفة وأكثر سهولة على منفذيه. فالأمر الواضح هو أن مثل هذا الخطر لن يأتي من دول كبرى كروسيا والصين التي تملك وحدها القدرة على اطلاق صواريخ باليستية وإيصالها الى اهدافها بدقة. ـ العامل الثاني: حاجة الولايات المتحدة الى الاعتمادات المالية التي يتطلبها مشروع الدرع الصاروخية حيث تتراوح أرقام نفقاته ما بين ستين ومئة مليار دولار، بحسب التقديرات الأمريكية المعلنة سابقاً. فمعاجلة آثار كارثة التفجيرات الارهابية التي استهدفت الولايات المتحدة، بما في ذلك الحملة العسكرية المفتوحة ضد الارهاب (في أفغانستان، وربما في مناطق أخرى، وفقاً للاشارات الصادرة عن واشنطن ستستنفد الاعتمادات المالية التي كانت مخصصة للدرع الصاروخية، ولمشروعات عديدة أخرى. كذلك فإن الوضع الاقتصادي الناشئ عن هذه التطورات مجتمعة لن يسمح بالتركيز على مشروعات لا تعتبر في الأساس ضرورية لأمن الولايات المتحدة واستقرارها السياسي والاقتصادي، ولا تأتي بين الأولويات التي تفرضها حاجات المرحلة المقبلة. ـ العامل الثالث: نشوء وضع عالمي جديد، ستتحدد العلاقات فيه على قاعدة التحالف الدولي المشكّل ضد الارهاب. ولعل الادارة الأمريكية، التي صرفتها احداث الحادي عشر من سبتمبر، كانت واضحة في تطلعاتها المستقبلية عندما وضعت دول العالم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الوقوف معنا، أو مساندة الارهاب. ومع ان هذا الأسلوب أعتبر في نظر العديد من الدول زجرياً وتعسفياً الى حد كبير، إلا أنه يعكس طبيعة الضغوط النفسية التي تقع الادارة الأمريكية تحت تأثيرها. وبالتالي، فإن العلاقات الدولية، ولمدى زمني تقدره الادارة الأمريكية بسنوات عدة، ستكون محكومة بهذه الاعتبارات وبكل ما ينشأ أو يتفرع منها. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح هنا: أين موسكو من كل هذا؟ ليس من المبالغة القول إن موسكو هي المستفيد الأكبر من هذه التطورات، أولاً بسبب اضطرار الولايات المتحدة الى تغيير استراتيجيتها الدولية، وبالتالي الى تقديم الكثير من التنازلات السياسية والاقتصادية للدول الأخرى من أجل تحقيق هدفها بالوصول الى موقف عالمي تضامني تكون هي ومصالحها الكبرى قاعدته الرئيسية. وثانياً، لأن روسيا صاحبة مصلحة رئيسية في تغيير النظام الافغاني المعادي لها واستبداله بنظام آخر معتدل ومستعد لاقامة علاقات سلمية معها. فهي طرف رئيسي في المعادلة الافغانية، وفي استقرار آسيا الوسطى. ومع انها ترفض التورط مجدداً في «الآتون» الافغاني، إلا أنها ورثت عن الاتحاد السوفييتي السابق بعض مخلفات الصراع، كما تملك مصالح حيوية في المنطقة تحملها على التدخل بوسائل مختلفة، ولكن من بعيد. إن أكثر ما يثير اهتمام موسكو هو الحيلولة دون إبقاء أفغانستان كمعسكر مفتوح لإعداد المقاتلين وتدريبهم ثم ارسالهم الى منطقة القوقاز لمحاربة القوات الروسية في الشيشان وتهديد انظمة الدول الأخرى ببدائل على طراز نظام طالبان. وتشكو الحكومة الروسية من أن الذين يطلق عليهم لقب «الأفغان العرب» انما يلعبون دوراً فعّالاً في المعارك التي شهدتها الشيشان على مدى السنوات الماضية، حيث تكبدت القوات الروسية خسائر فادحة. وعلى الرغم من أن اجتذاب موسكو الى التحالف الدولي كان أمراً محسوماً سلفاً بالنسبة لواشنطن، لأن الأولى كانت ترفع شعارات مماثلة وتحاول اقناع الولايات المتحدة ودول أوروبا بأنها ضحية الارهاب، إلا أن القيادة الروسية لم تكن على استعداد للتعاون المفتوح، أو غير المشروط مع القيادة الأمريكية، في الوقت الذي تباعد بينها وبين ادارة بوش تحديداً قضايا جوهرية عدة، في مقدمتها موضوع الدرع الصاروخية الأمريكية، والمصالح الاقتصادية المتضاربة في آسيا الوسطى. ومع أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ندّد بقوة تفجيرات 11 سبتمبر واعتبرها جزءاً من مشكلة عالمية هو احد ضحاياها ـ بحسب تصريحاته المتكررة في أعقاب عمليات التفجير الانتحارية ـ لكنه أبدى تحفظات واضحة حيال المشاركة الروسية في العمليات العسكرية الأمريكية أو بالنسبة لفتح الأجواء الروسية أمام الطائرات الأمريكية الحربية، مكتفياً بالسماح بمرور الطائرات التي تحمل مساعدات غذائية الى أفغانستان. كذلك تردد الرئيس الروسي طويلاً في الموافقة على استخدام أراضي دول آسيا الوسطى المجاورة لأفغانستان في العمليات العسكرية الأمريكية، وهي الدول المرتبطة مع موسكو باتفاقات تحالف رسمية، خوفاً من أن يتحول الوجود العسكري الأمريكي «المؤقت» الى وجود دائم، تحت ذريعة الحاجة إلى مراقبة الوضع الافغاني، وهو الأمر الذي ترفضه موسكو وتقاومه بشدة. بيد أن المصلحة الروسية المباشرة والمتمثلة في إسقاط نظام «طالبان» من جهة، والحصول من واشنطن على تنازلات في القضايا المختلف عليها من جهة أخرى، دفعت الرئيس بوتين الى الموافقة على توسيع نطاق التعاون، المتمثل خصوصاً في تمكين القوات الأمريكية من استخدام أراضي أوزبكستان في عملياتها ضد أفغانستان، وهو الأمر الذي تكشفت أهميته لاحقاً. كذلك فإن التنسيق الأمريكي ـ الروسي يشمل قضايا ميدانية تتجلى خصوصاً في دعم «التحالف الشمالي» المعارض الذي يعوّل عليه في خوض الحرب البرية ضد قوات «طالبان». وقد وعدت موسكو بتقديم المزيد من الاسلحة والاعتدة المختلفة للتحالف المذكور، عبر طاجيكستان القاعدة الخلفية للمعارضة الافغانية، في الوقت الذي ترابط مجموعات من قواتها الخاصة وخبرائها العسكريين في المنطقة لمراقبة الوضع عن كثب والتصرف في ضوء التطورات المستجدة. فما يهم موسكو هو إزاحة «طالبان» والتمهيد لإحلال وضع جديد في أفغانستان لا يشكل تهديداً لها أو لأي من دول العالم الأخرى. عندما كانت واشنطن تتوجه نحو موسكو، في أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر، طلباً لدعمها في حملتها ضد الإرهاب، أعلنت مستشارة الرئيس جورج بوش لشئون الأمن القومي كوندوليزا رايس «لا أظن ان ثمة مرحلة أكثر بلورة لنهاية الحرب الباردة من المرحلة الحالية». ثم شددت على ضرورة ان تتوسع هذه الشراكة «فتتجاوز العلاقات الاستراتيجية والأمنية لتشمل التعاون الاقتصادي والتجاري». بعد ذلك جاءت الاشارة الثانية من واشنطن عندما كان وزير التجارة الأمريكي دونالد ايفانز يتحدث خلال حفلة تدشين انبوب النفط الجديد الذي سينقل البترول المستخرج من مناطق بحر قزوين ( في آسيا الوسطى) الى اسواق الدول الغربية، حيث قال ان هذا المشروع «يرسل اشارة مهمة الى العالم بأن الولايات المتحدة، روسيا وآسيا الوسطى تتعاون لتحقيق الازدهار والاستقرار في هذا الجزء من العالم». وكان ممثلون للأطراف المشاركة في هذا المشروع الاستراتيجي، بمن فيهم نائب وزير الطاقة الروسي، يستمعون الى خطاب الوزير الأمريكي. من الواضح ان الخطاب السياسي الأمريكي لمرحلة ما بعد 11 سبتمبر، يختلف عن ذلك الذي كنا نسمعه في مرحلة ما قبل هذا التاريخ. ولكن... هل يعني هذا التغيير المعلن، تحولاً حقيقياً وجذرياً في السياسات الأمريكية من القضايا العالمية، بحيث تغدو هذه السياسات أكثر تفهماً لمصالح الدول الأخرى، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حالة مؤقتة تزول بزوال أسبابها. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس