اذا كان الاعلام صناعة غربية، فإن حرية الاعلام صياغة امريكية، وبقدر ما حملت الولايات المتحدة لقب قلعة الرأسمالية في العالم، فإنها اكدت وعلى مدى تاريخها على قداسة الرأي وحرية التعبير باعتبارهما حقاً انسانياً لا مجال للنقاش حولهما، وهذا ما (حاولت) اجهزتها واعلامها وكتابها ان يقنعوا العالم به وعلى مدى عقود من الزمن، وهذا ما كرّسه الغرب الاوروبي كذلك حتى صار التمييز بين العالم الغربي والعربي مرتكزاً على مدى توافر هذه الحقوق واحترام هذه الحريات. وفجأة وبمقدمات غير متوقعة وغير ملموسة، ظهر من ركام التخلف الاعلامي العربي جهاز امتطى صهوة البرق، ليختطف الصناعة من أهلها، ولينازع الأمريكيين في ملكيتهم الحصرية للاعلام خبراً وصورة ورأياً و... حرية، هذا الجهاز هو: قناة (الجزيرة) التي وصفها احد الزعماء العرب بعد ان زار مبانيها المتواضعة قائلاً: اتريدون اقناعي بأن كل ما تنتجه الجزيرة يخرج من علبة الكبريت هذه؟! نعم فالقضية ليست ابراجاً واكداساً من البشر وملايين تهدر، القضية في الاعلام: حرفية، ورؤية واستراتيجية واضحة ومنافسة في امتلاك ادوات المعركة، وهذا ما تملكه الجزيرة حسبما نظن. الولايات المتحدة على لسان رئيسها ووزير خارجيتها وسفيرها السابق في (اسرائيل) مارتن انديك، رددوا اسم الجزيرة مراراً في الاسابيع الماضية، وكذلك فعلت كبريات صحفهم، «نيوزويك»، «الواشنطن بوست»، «النيويورك تايمز» و«الاندبندنت» البريطانية وغيرها، بعضهم تحدث عنها باعجاب مبطن، لكن أغلبهم هاجمها لسبب يبدو انه غريب جداً على قلعة الديمقراطية لكنه قيل وبصوت عال، السبب ان (الجزيرة) تجاوزت حدود الديمقراطية! لماذا؟ لأنها نشرت وبثت مواد اعلامية مناهضة للولايات المتحدة! اذن فأين حرية الرأي وحق التعبير ومساحة الاختلاف مع الرأي الآخر؟ ان (الجزيرة) لم تتجاوز حدود الديمقراطية لأنها قالت الرأي والرأي الآخر، ونشرت وجهة النظر الامريكية في الوقت الذي بينت فيه مآسي الشعب الافغاني، وخطب جماعة القاعدة وتوجهاتهم، المسألة قد تبدو اكثر حدة بالنسبة للغرب الذي يؤمن ايماناً مطلقاً بأنه ليس من حق اي جهاز اعلامي عربي او اسلامي ان يتفوق عليهم هذا اولاً، ولأنهم يؤمنون ايضاً بأن حرية الرأي وحق التعبير وحقوق الانسان هي مكتسباتهم هم، ومن حقهم هم فقط التمتع بها، اما سكان العالم العربي والاسلامي والنامي فليس لهم سوى الدعايات الفارغة والقشور والأوهام واعلام الكلام الفارغ والسطحي! الحرب لا تدمر الشعب الافغاني المسكين فقط، الحرب لا تشوه الاطفال الصغار يوميا وتنتزع نبضة الحياة من عيونهم فقط، الحرب لا تسقط الجدران المتهاوية على رؤوس عائلات بأكملها ولا تشرد شعباً بلا ذنب في الفيافي والصحاري بذريعة محاربة الارهاب والقضاء على الارهابيين، الحرب تسقط الجمل الضخمة والعناوين البراقة لحقوق الانسان وحرية رأيه وتعبيره، انها تسقط الغرب تماماً في اختبار مدى صدقه وموضوعيته تجاه مبادئه الكبرى التي اتحفنا بها عشرات السنين، ثم جاءت حرب الارهاب لنكتشف ماهية الارهاب الحقيقي. لماذا تغضب الادارة الامريكية من قناة الجزيرة؟ ولماذا تهاجمها الصحافة الغربية بهذا الشكل؟ لماذا يجتمع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير برؤساء تحرير كبريات الصحف البريطانية ليحثهم على الامتناع عن نشر مواد مناهضة للحرب وحينما يقولون جميعاً (لا) لا يملك لهم قوة ضغط ليست من حقه، بينما يضغطون على (الجزيرة) كي توقف (تعاطفها) مع افغانستان، بذريعة انه دعم للارهاب! نحن نسأل فقط: أين الديمقراطية في كل ذلك؟ ام ان الديمقراطية لباس مفصل على المقاس الاوروبي والامريكي فقط؟ واين حقوق الانسان في مهاجمة شعب اعزل في وضح النهار؟ ام ان حقوق الانسان تنزيل سماوي لشعوب اوروبا وامريكا المتحضرين فقط؟ الاجابة على الكثير من الاسئلة الكبرى هي واحدة من فوائد الحرب على الارهاب، فرب ضارة نافعة كما يقولون!!