مضيت أنتظر الخميس الماضي على امتداد اربع ساعات في طابور ممتد لكي اخضع لفحص الجمرة الخبيثة ففي يوم الاثنين الماضي كنت في مبنى مجلس الشيوخ الامريكي، في المنطقة التي عثر فيها على البكتريا لذلك تم استدعائي، واخبرت بأنني يجب ان اخضع للفحص. كانت تلك تجربة مثيرة للاهتمام فعددنا نحن الواقفين في الطابور تجاوز الالف شخص، وكان هناك اعضاء من طاقم موظفي الكونجرس وعناصر من شرطة الكونجرس ومراسلون صحفيون وموزعون سيئو الطالع صادف وجودهم في المكتب الخاطيء في الزمان الخاطيء. وتحرك الطابور ببطء، لكن بلا ضجيج وكان ذلك امرا لافتا للنظر، فالواشنطينيون ليسوا اناسا صبورين في الاحوال الطبيعية، البعض انشغل بعمل ما بين يديه فيما امضى البعض الآخر، الوقت متحدثا عبر الهاتف الجوال، لكنهم جميعا كانوا متعاونين وودودين وفي مزاج حسن. على الرغم من ان جرثومة الجمرة الخبيثة او «الانتراكس» جرثومة يمكن التحكم بها الا انها كانت بمثابة عاصفة ضربت الأمة ومنذ الابلاغ عن اول حالة قبل اكثر من اسبوعين، انطلقت نوبة اعلامية مسعورة حول هذا المرض، وتصدرت كل حالة جديدة عناوين الصحف في اليوم التالي. لكن ليس هناك ذعر، وانما مجرد قلق فحسب وتعتبر ردة الفعل هذه من زوايا عديدة جزءا من التحول الذي طرأ منذ 11 سبتمبر، فقد اصبح الامريكيون اكثر حذرا، اكثر تأملا، لكنهم لايدعون الهستيريا تسيطر عليهم. وصفت هذه الحالة النفسية في المدينة لصديق مصري في اليوم التالي، مشيرا الى انها ذكرتني بالقاهرة بعد الزلازل وكنت في القاهرة بعد يومين من تعرض المدينة لهزة ارضية قوية، بدا كل شيء على ماهو عليه، لكن هناك شيئا مختلفا وبعد شيء من التفكير اتضحت لي جلية الامر، لقد كانت المدينة اهدأ، ابواق السيارات لم تكن تسمع، والسائقون كانوا يسيرون بحذر في شوارع المدينة، وهذه هي حال واشنطن اليوم. قبل بضعة اشهر فقط، عندما كان يسمع في الشارع صوت صفارة انذار كان الواشنطينيون يزيدون سرعة سياراتهم، لكي يسبقوا سيارة الاسعاف او الاطفاء الى نقطة التقاطع التالية. واذا اضطروا للانتظار، فانك تجدهم يتذمرون ويدمدمون، لقد كانوا بالطبع، اشخاصا مهمين، مرتبطين باعمال مهمة، ولا ينبغي تأخيرهم حتى في حالة طواريء. لكل الحال تغير اليوم، فالواشنطينيون اصبحوا اكثر لطفا واقل عدوانية، وهم الآن ينتظرون فور سماع صافرة انذار في الشارع، مع ان هذه الصفارات اصبحت كثيرة جدا هذه الايام، ففي يوم واحد خلال الاسبوع الماضي كان هناك اكثر من 100 حالة فزع من الجمرة الخبيثة وكل حالة مبلغ عنها اغلقت مبنى تجاريا والشارع الذي يجد المبنى فيه، بانتظار وصول سيارات الاسعاف للتحقق من جلية الامر. لقد اصبحت المدينة وسكانها اكثر هدوءا وصبرا من قبل ويمكن ملاحظة هذا التحول في بيانات استطلاعات الرأي ايضا فقد اظهر استفتاء اجري مؤخرا انه في حين يعتقد 40 بالمئة من الناس انهم ربما يكونون ضحايا لهجمة ارهابية ما، فان الاغلبية الساحقة اشاروا الى انهم يتابعون عملهم الطبيعي وعاداتهم الحياتية. لكن في استطلاع آخر اشار 52 بالمئة من الاشخاص الذين اجابوا على الاسئلة الى انهم اصبحوا اكثر ميلا للروحانيات، وهذا ايضا امر باد للعيان، فمعدلات جرائم الكراهية انخفضت عن مستوياتها قبل 11 سبتمبر في انعطاف مفاجيء، وبعض اولئك الذين تحولوا ضد الامريكيين العرب والمسلمين، كبتوا او تصرفوا بطرق تعبر عن ندمهم على كراهيتهم. وكنتيجة لذلك، يتم الآن بشكل متزايد استدعاء جالياتنا للتدريس فيما يتعلق بالثقافة العربية والاسلام وظهرت في الصحف الامريكية مقالات عن الاسلام اكثر من اي وقت مضى، وهناك اسئلة عميقة تطرح عن الشرق الاوسط اكثر من اي وقت مضى. لاشك في ان هناك مشكلات لكن ينبغي ايضا فهم التغيرات الحاصلة. لن يتحول هذا الى صدام حضارات، على الرغم من محاولات المتعصبين من الجانبين كليهما، هناك دروس يجب استخلاصها من التحول في المزاج الجماهيري العام بعد مأساة 11 سبتمبر. ربما تريد الايديولوجيات الخطرة جر العالم الى شفير حرب كارثية، لكن معظم الناس لايريدون حدوث اي شيء من هذا القبيل. ليس اسامة بن لادن هو الاسلام، وآرييل شارون وعوفاديا يوسف ليسا باليهودية وبات روبرتسون وامثاله من المتشددين ليسوا بالمسيحية. لا يجب رفض هؤلاء المنظرين الايديولوجيين المتحجرين بل يجب ايضا رفض ايديولوجيتهم المبنية على الكراهية والنزاع. وعلى الرغم من اختلاف الشرق والغرب في الحياة الاجتماعية والثقافية، الا انهما مرتبطان معا بشبكة معقدة في العلاقات المتداخلة، فنحن نمارس نشاط الاعمال معا ونعمل ونتاجر معا، ولكل منا جذوره المغروسة في عالم الآخر. هاجر الى امريكا اكثر من مليون عربي، وازدهروا في بلدهم الجديد. وهناك مئات الالوف من العرب الذين قدموا الى الولايات المتحدة كطلاب وعادوا لكي يخدموا اوطانهم بالمثل عمل مئات الالوف من الامريكيين في العالم العربي، بينما خدم آخرون في المنطقة، وقدموا التدريب او الخدمات الدفاعية. إن الخطاب الحاقد والسياسة القائمة على الاستقطاب اللذين يحاولان تمزيقنا ينبغي رفضهما لأنهما يلحقان الضرر بعلاقاتنا، ويمكن ان يفضيا الى عنف مدمّر وتمزقات من شأنها ان تؤثر سلباً على رفاهية الملايين. هناك، بالطبع، قضايا سياسية حقيقية تقسمنا. اعتقد، على سبيل المثال، ان السياسات الامريكية حول بعض القضايا الحاسمة في الشرق الأوسط هي سياسات خاطئة. وأنا ومعي الكثيرون نناضل من أجل تغيير هذه السياسات. لكن أن تنطلق هذه الخلافات حول السياسة، مهما كانت عميقة ومهمة، لتهدد نسيج العلاقات العربية الامريكية برمته فهذا أمر غير مقبول البتة. إن هؤلاء المنظرين الأيديولوجيين، سواء في الولايات المتحدة أو في الشرق الأوسط، والذين على الرغم من انتمائهم لاتجاهات مختلفة يشتركون في رغبتهم بقطع أو تخريب الشراكة العربية ـ الأمريكية، مخطئون. وهم يتخذون مواقفهم تلك لأنهم يرون العالم من منظور أيديولوجيتهم فقط، ولأنهم ليس لديهم نصيب حقيقي في الاحتياجات الحقيقية للناس الحقيقيين. وما ينبغي ان نتعلمه في 11 ديسمبر ليس شجب الارهاب فحسب، بل أيضاً شجب الاشخاص الذين يكدسون ويعرضون ايديولوجيات الكراهية والصراع التي تلهم أو تسعى لتبرير مثل هذه الأعمال. وخلال وقوفي في الطابور بانتظار فحص الجمرة الخبيثة تحادثت مع الأشخاص الذين يقفون قربي بانتظار دورهم. انهم لا يعلمون سوى القليل عن الشرق الأوسط، وحتى أقل من القليل عن الاسلام، ولكنهم كانوا راغبين وتواقين لمعرفة المزيد. واستنتجت من ذلك ان ما نحتاجه الآن ليس اغلاق الباب، بل فتحه على مصراعيه. إننا نحتاج لتطوير حوار واسع النطاق بين الحضارات. اذا كنا نعمل معاً ونتاجر معاً، فإننا نحتاج لأن نفهم ونحترم بعضنا البعض. وبدلاً من التباعد، كما قد يريد أسامة بن لادن وارييل شارون والمحافظون الجدد في الولايات المتحدة، فإن علينا أن نتقارب، لكي نعزز روابطنا. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي