عقب اغتيال العنصري الحقير رحبعام زئيفي وزير السياحة الإسرائيلي، إرتدى السفاح شارون ثوب الضحية وهو يذرف الدموع، ثم لم يلبث أن عاد للتهديد بالويل والثبور مؤكدا أن إسرائيل ستخوض حربا بلا هوادة ضد (الإرهابيين)! ثم فجأة حاول أن يبدو حكيما وهو يستخدم تعبيرا شبيها بتعبيرات الرئيس الأمريكي بوش بعد أحداث 11 سبتمبر مؤكدا إن عهدا جديدا بدأ، والأمور تغيرت ولن تعود إلى سابق عهدها. ودموع شارون لا تهمنا، وكذلك تهديداته، ولكن المهم هو محاولته التي بدأها - دون نجاح كبير - بعد أحداث نيويورك وواشنطن أن يؤكد على تصور تكون فيه إسرائيل - مثل أمريكا - ضحية للإرهاب، وأن يكون عرفات هو ابن لادن، وأن يكون التحالف الذي تبنيه أمريكا هو تحالف ضد الفلسطينيين أيضا. المحاولة انكشفت، وأمريكا رفضت عرض شارون الإنضمام إلى تحالفها، ثم أعلنت أن الدولة الفلسطينية هي النهاية الطبيعية لأي تسوية سياسية للصراع العربي - الإسرائيلي، وهو الأمر الذي أهاج شارون وجعله يتوقح على أمريكا مؤكدا أن إسرائيل لن تقبل أن تدفع ثمن سعى أمريكا لضم العرب إلى التحالف. والآن.. وبعد اغتيال العنصري القبيح رحبعام زئيفي وزير السياحة يحاول شارون مرة أخرى أن يؤكد أن معركة أمريكا وإسرائيل ضد (الإرهاب) واحدة.. ويحاول بيع الوهم بأن وضع إسرائيل بعد اغتيال أول وزير فيها على يد المقاومة الفلسطينية، هو نفس موقف أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر. وهو يريد بذلك أن يحقق أكثر من هدف. يريد إضفاء الشرعية على المجازر التي أقامها للشعب الفلسطيني والتي ستشتد بعد الحادث الأخير باعتبار أنه يحارب الإرهاب الذي ينبغي على العالم أن يسانده في مواجهته. ويريد أن يحاصر الأفكار التي بدأت تتردد في الإدارة الأمريكية من خلال عملية المراجعة للسياسات الأمريكية الفاشلة في المنطقة.. وبالذات تلك الفكرة التي تؤكد أن إنحياز أمريكا لإسرائيل ودعمها لعدوانها ومساندتها لاحتلالها الأرض العربية هو السبب الرئيسي للتوتر والإحباط في المنطقة وهو التربة الصالحة لنمو نزعات العنف والتطرف، وهو سبب ما تعانيه أمريكا من مشاعر الكراهية في المنطقة العربية. ويريد السفاح شارون أن يجهض أي تحرك أمريكي نحو مبادرة جديدة يجري الحديث عنها، كما يريد دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى صدام جديد مع العرب قد ينسف التحالف الذي أقامته إذا أصرت على التعامل مع المنظمات المقاومة الفلسطينية على أنها مؤسسات إرهابية. وبغض النظر عما يريد شارون، أو تخطط العصابة التي تحكم إسرائيل. فإن اغتيال رحبعام زئيفي سوف يكون علامة فارقة في النضال الفلسطيني. إن إغتيال هذا العنصري القبيح يعني أن يد المقاومة قادرة على أن ترد العدوان الهمجي على الشعب الفلسطيني، وقادرة على أن تعامل مجرمي الحرب الإسرائيليين بمنطق العين بالعين. والسن بالسن وهو منطق يضرب نزعة الاستعلاء وغرور القوة اللذين يسيطران على القيادات الإسرائيلية. إن اغتيال هذا العنصري القبيح يؤكد أن كل احتياطات الأمن الإسرائيلية، وكل القيود التي فرضتها السلطة في الداخل على منظمات المقاومة، وكل نشاط المخابرات المركزية الأمريكية في الرقابة والتنسيق بين الأجهزة الأمنية.. كل ذلك لن يوفر الأمن لإسرائيل، ولن يمنع المقاومة من القصاص العادل لأبنائها. إن اغتيال هذا العنصري القبيح يأتي بفرصة جديدة لتأكيد الوجه البغيض للصهيونية التي قاتلت أمريكا في مؤتمر ديربان حتى لا توصم بالعنصرية. هذا رجل في قمة المسئولية يدعو علنا للتطهير العرقي، ويطالب بطرد الفلسطينيين من وطنهم، ويصفهم بأنهم جيوش من البق والصراصير. ولم نسمع أن شيئا من ذلك أزعج أصحاب الضمائر في الغرب، ولم تطالب منظمة من المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان في أمريكا وأوروبا بإقصائه عن منصبه ومحاكمته.. كما تفعل مع أي مسئول أو صعلوك هناك يتجرأ بكلمة نقد لإسرائيل أو كما تقيد أي كلمة لمسئول عربي يصف فيها إسرائيل بما تستحقه أي عصابة عنصرية. المقاومة مستمرة إن اغتيال هذا العنصري القبيح يأتي في وقت دقيق. فهناك من ناحية إصرار أمريكي على إدانة حركات المقاومة الفلسطينية ووضعها في كشوف المنظمات الإرهابية. وهناك من ناحية أخرى تحرك سياسي أمريكي وبريطاني يعد بدولة فلسطينية في نهاية الطريق ويطلب - أولا- إيقاف الإنتفاضة ومحاصرة المقاومة وهناك - ثالثا - رهان من السلطة الفلسطينية على هذا الوعد الأمريكي الجديد وموقف حاسم من السلطة يطلب إيقاف كل أشكال المقاومة إنتصارا للفرج الأمريكي! وتجيء عملية الاغتيال لتقول إن المقاومة مستمرة، وإنها الرهان الوحيد المتاح للفلسطينيين مهما كانت التضحيات، وان إنتظار الحل السياسي لا يبرر إيقاف الإنتفاضة، وأن تفعيل المقاومة الوطنية بكل أشكالها مطلوب الآن، وأكثر من أي وقت مضى - لتأكيد حق الشعب الفلسطيني المشروع في النضال ضد المحتل، ولاعادة طرح القضية الفلسطينية من موقع صحيح يفرض التعامل معها كقضية أرض محتلة لابد من تحررها وشعب يطلب حقه العادل في تحقيق المصير، وليست قضية أمن إسرائيل الذي ينبغي أن يتعزز بوقف الإنتفاضة وبتقرير ميتشيل وبتوصيات تينيت ... الخ. والذي لاشك فيه أن هناك خلافا في الرؤية بين السلطة الفلسطينية وفصائل عديدة في العمل الوطني والمقاومة الفلسطينية حول هذه القضية المركزية. وهو خلاف نرجو ألا ينفجر بعد عملية اغتيال رحبعام زئيفي بسبب الضغوط الهائلة التي تمارس على السلطة الفلسطينية لايقاف الإنتفاضة، أو بسبب القناعة لدى هذه السلطة بأن هناك فرصة تاريخية للحصول على التسوية السياسية التي تراها مناسبة وبسبب شك الجماهير الفلسطينية في جدوى هذا النهج الذي جربته على مدى سنوات منذ أوسلو وإنتهى إلى لاشيء. لقد أعلن السفاح شارون قبل ساعات من اغتيال رحبعام زئيفي شروطه للتسوية التي أكد أنه سيتولى بنفسه التفاوض بشأنها وقدم شارون خطوطه الحمراء لأي إتفاق يمكن عقده. مع الفلسطينيين وأهمها: قدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية يكون جبل الهيكل مركزها، والاحتفاظ بمرتفعات الجولان ومناطق أمنية في يهودا والسامر الضفة الغربية وغزة وغور الأردن. أما الدولة الفلسطينية المقترحة عند شارون: دولة منزوعة السلاح تسيطر إسرائيل على حدودها، ولا يسمح لها بتوقيع إتفاقات وتحالفات مع دول معادية لإسرائيل، وتحتفظ إسرائيل بحق الطيران في مجالها الجوي! أما قضية اللاجئين فالرجل يؤكد أنه لن يسمح بدخول لاجئين فلسطينيين أو نسلهم إلى الخط الأخضر.. لا الآن ولا في المستقبل! أما الولايات المتحدة التي ينتظر الجميع مبادرتها الموعودة فأعلنت أمرين مؤكدين حتى الآن.. أنها لن تفرض شيئا على إسرائيل، وأن أي حل لن يأتي إلا بالتفاوض بين الطرفين المتنازعين. وهما نفس المبدأين اللذين حكما مسيرة سلام الشجعان منذ أوسلو وأضاعت سنوات إنتهت إلى إنفجار الموقف بإنتفاضة الأقصى. لقد نجح الاشقاء الفلسطينيون في تفادي كارثة كادت تعصف بمسيرة العمل الوطني عقب الحادث المأساوي الذي ذهب فيه ثلاثة شبان فلسطينيون برصاص رجال الشرطة الفلسطينية أثناء تظاهرة احتجاج على ضرب أفغانستان. ومهما كان الخلاف في الرأي، ومهما كان حرص السلطة على عدم إغضاب أمريكا، ومهما كانت خشيتها من إنفجار الموقف أو من إستغلال وسائل الاعلام الإسرائيلية والأمريكية للتظاهر كما فعلوا حين صوروا بعض الصبية وهم يبدون مظاهر الفرح بما حدث لأمريكا في 11 سبتمبر.. مهما كان كل ذلك، فإن إطلاق الرصاص على الشباب الفلسطيني وسقوط شهداء برصاص الشرطة التي كانت ومازالت مهمتها أن تحميهم أمر غير مبرر على الإطلاق، وخطيئة كادت تتحول لكارثة لولا حكمة كل الأطراف وتصرفها بمسئولية أعادت الوفاق وإن تركت كثيرا من المرارة والأسى! أولوية الملف الفلسطيني والمطلوب الآن مستوى أكبر من الحكمة والمسئولية حتى لا يقع صدام بين القوى الوطنية الفلسطينية، وهو صدام تسعى قوى عديدة لخلق الظروف المواتية له. ولاشك أن الضغوط ستتزايد على السلطة الفلسطينية من أجل إتخاذ إجراءات ضد الجبهة الشعبية وباقي فصائل المقاومة، ومع توسع متوقع في العدوان الإسرائيلي وتحذيرات متوقعة من أمريكا، وإستمرار الرهان الرسمي من القيادة الفلسطينية على تحرك أمريكي يوفر ما تسميه السلطة فرصة تاريخية للتسوية السياسية.. مع كل ذلك فإن الملف الفلسطيني ينبغي أن يكون محل الإهتمام العربي حتى لا تفلت الأمور إلى صدام سيكون هو الأسوأ بالنسبة للفلسطينيين وبالنسبة للعرب جميعا. إن كل القوى الفلسطينية مطالبة بأقصى درجات الوعي والمسئولية في هذه المرحلة الصعبة وكل القوى مطالبة بالإلتفاف حول موقف وطني واحد، ولكن هذا الموقف لا ينبغي أن تحدده إرادة فرد أو مجموعة ضيقة، بل ينبغي أن يكون هو الموقف الذي يتفق عليه الجميع، وتلتزم به كل الأطراف. إن المزايدة هنا مرفوضة، وبنفس القدر وأكثر فإن التهاون لا مكان له. وإنما المطلوب موقف يتمسك بالثوابت الوطنية، ويلتزم أمام الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج بسياسة واضحة لا تحتمل الإلتباس ولا تترك الأمر للصدفة. إن ما يشجع على ذلك، أن هناك موقفا حاسما للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في كامب ديفيد رفض فيه الاستسلام لشروط السلام الإسرائيلي - الأمريكي رغم كل الضغوط التي مورست عليه. وما يشجع على ذلك، أن اللعب قد أصبح على المكشوف.. المواقف الإسرائيلية واضحة، والمواقف الأمريكية تحاول البقاء في دائرة ما تسميه بالغموض البناء الذي تتصوره وسيلة لتحقيق تقدم أو للحفاظ على أوهام الواهمين في الحل الأمريكي القادم، والأوراق التي يملكها كل طرف معروفة ومحسوبة، وكذلك مجال المناورة من كل الأطراف.. فماذا عن الموقف الفلسطيني؟ ولماذا يبقى في دائرة الإنتظار أو الرهان على (تبرعات) الآخرين؟ إن هناك إدراكا فلسطينيا وعربيا عاما بأن هناك خلافات في الرؤى حتى داخل القيادة الفلسطينية، وهناك من يتمسك بالثوابت الوطنية حتى النهاية، وهناك من يرى أن للظروف أحكامها وأن الحصول على أي شيء خير من الوضع الحالي. وعرفات نفسه أثار غضب الرئيس الأمريكي كلينتون في كامب ديفيد حين رفض ما سبق أن قبله بعض زملائه ومعاونيه! إن إتفاقا على عدة مبادئ يمكن أن تعبر بالحركة الوطنية الفلسطينية إلى بر الأمان أصبح ضروريا في وجه الضغوط التي ستتعرض لها كل الأطراف الفلسطينية.. والمطلوب الآن ليس اختراعا جديدا، ولكنها المبادئ التي تحكم أي صراع بين سلطة احتلال وشعب محتل.. في الماضي والحاضر والمستقبل. إن شارون يصرخ الآن: إنتهى عهد عرفات، والولايات المتحدة تؤيد إسرائيل وتضغط على السلطة لكي تصفى المقاومة الفلسطينية، والرد ينبغي أن يكون واضحا وحاسما في تأكيد الثوابت التي تحكم الحركة الفلسطينية الآن وهي: أن حق المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي حق مقدس.. أما الإرهاب فهو ما تمارسه سلطات الإحتلال. أن الشعب الفلسطيني لم يتحمل ما تحمله لكي يحصل في النهاية على وعد بالتفاوض حول حقه في اعلان الدولة الفلسطينية وإنما لكي يتحقق هذا الوعد على الأرض. ومن هنا فإن أي حديث عن تقدم في الموقف الأمريكي، أو عن فرصة تاريخية لتحقيق التسوية لن يكون له معنى إلا إذا اقترن بخطوات عملية على الأرض. أنه من المستحيل أن تتوقف المقاومة مقابل وعد غامض.. والمطلوب إقرار أمريكي واضح بدولة فلسطينية خالية من المستوطنات وعاصمتها القدس وتمتد سيادتها إلى كل الأرض المحتلة عام 67 وبدون ذلك فإن الوعد الأمريكي لا قيمة حقيقية له، وإتخاذه ذريعه لوقف الإنتفاضة وحصار المقاومة سيكون خطأ مميتا. الانتفاضة فرضت واقعاً جديداً إن تجربة السنوات العشر الماضية في التفاوض مع إسرائيل وأمريكا كانت مريرة ولا ينبغي أن تتكرر وإذا كانت الإنتفاضة قد فرضت واقعا جديدا وأجبرت كل الأطراف على إعادة حساباتها، وإذا كانت الظروف قد وقعت أمريكا أخيرا للتحرك فإن تغييرا كبيرا في أسلوب التفاوض الفلسطيني وفي الأطراف القائمة به ينبغي أن يتم. عن اسلوب التفاوض.. فإن حكاية القنوات السرية، والتفاوض ومن خلف الأسوار قد فشلت في تحقيق شيء طوال السنوات الماضية. وأي تفاوض قادم لابد أن يتم أمام أعين الجميع، وبقنوات شرعية وبعيدا عن المناورات ومزاد التنازلات التي تم تقديمها مجانا وبدون أي عائد. وأما عن الأطراف القائمة بالتفاوض حول التسوية. فإنها نفس الأطراف التي تخوض معركة الاستقلال على الأرض دون استبعاد لأحد، ودون إنفراد فصيل واحد بتقرير المستقبل الفلسطيني. ومن هنا فإن قيادة فلسطينية تمثل كل الأطراف الفاعلة في الواقع الفلسطيني أصبحت ضرورية. وتشكيل مثل هذه القيادة سوف يصادف بلا شك صعوبات كثيرة.. سواء من خلافات داخلية في الرؤى، أو من ضغوط خارجية لاستبعاد أطراف ترى أمريكا أنها غير مؤهلة وغير راغبة في التوصل لتسوية، أو من أطراف في السلطة ترى في إئتلاف القوى الوطنية إنتقاصا في نفوذها، وتقليصا لفرصتها في فرض رؤيتها، أو في مكانتها أو في الاحتفاظ بمكاسبها. لكن ذلك كله ينبغي ان يتوارى أمام الأخطار الحالية والقادمة. ولعل ما سيفعله شارون وحكومة السفاحين الإسرائيليين بعد مصرع رحبعام زئيفي. ان نمهد الطريق لما نطالب به.. فحين يقول شارون ان عهد عرفات انتهى.. فان الاجابة عليه لا ينبغى ان تكون بالمهادنة او تقديم التنازلات بل بالتأكيد ان الاحتلال الاسرائيلى هو الذى حانت ساعته مهما مارس من ارهاب ومهما وجد من مساندة خارجية ومهما امتلك من قوة ونفوذ. اكثر من اى وقت مضى.. هذه ساعة الجبهة الوطنية فى فلسطين لانها شرط النصر فى معركة لن تحسمها الوعود الامريكية ولا البطش الاسرائيلى بل الصمود الفلسطينى والرفض العربى لاى حل لا يستعيد كل الحقوق ولا يحرر كل شبر من الارض المحتلة ولا يقيم العدل على ارض فلسطين.. وفى قلبها القدس الاسيرة. ـ نائب رئيس تحرير جريدة «أخبار اليوم» المصرية