جمع القصاصات والاحتفاظ بها للعودة اليها من العادات الحميدة التي لا أدّعي التفرد بها، اذ يشاركني فيها دون شك الكثيرون.. غير أن العيب الوحيد الذي يعتريها عندي مما لا استطيع إشراك غيري فيه ظلماً هو أن هذه العودة لا تتحقق غالباً على مدى شهور بادعاء عدم توفر الوقت، وهو ادعاء أدلته مشكوك فيها ومطعون في تماسكها، فإذا ما تحققت تلك العودة ـ بعد لأي ـ كان قد مرّ وقت طويل على ما في تلك القصاصات من معلومات وأصبح الحديث عنها غير ذي جدوى أو هو حديث عن المنجنيق في عصر الصواريخ العابرة للقارات والجمرة الخبيثة. أسوق اليوم قصة وتداعيات واحدة من القصاصات التي أخرجتها هذا الاسبوع بعد ان توفر الوقت لذلك ـ احترازاً من مظنة نضوب معين الأفكار ـ فوجدتها لا تزال محتفظة بحرارتها التي ربما اكتسبتها من اقتطاعها ذات يوم حار من أيام أغسطس الماضي، وساعد على ذلك سبتمبر بأحداثه الساخنة وأكتوبر الأشد التهابا. تقول القصاصة إن وزيرة الخارجية اليابانية ماكيكو تاناكا قررت ان تعيد راتبها الحكومي الذي تسلمته الشهر الماضي «تقصد شهر يوليو» الى خزانة الدولة عقاباً لنفسها! أما لماذا تعاقب الوزيرة اليابانية نفسها؟ فلأن تجاوزات تتعلق بالفساد جرت في وزارة الخارجية منذ توليها مسئوليتها في ابريل الماضي. ولم يعلن عن المبلغ الذي ستعيده تاناكا لخزانة الدولة في خطوة وصفها متحدث باسم وزارة الخارجية اليابانية بأنها تشير الى تحمل الوزيرة لمسئولياتها عن تجاوزات الدبلوماسيين اليابانيين المالية التي حدثت مؤخراً. هذه التجاوزات التي اقضّت منام الوزيرة ودفعتها الى معاقبة نفسها تتمثل فيما اكتشفته أجهزة الرقابة في الخارجية اليابانية من مخالفات مالية ارتكبها دبلوماسيان يابانيان وبلغت مئة واثنين وسبعين الف دولار انفقاها في شهر يوليو على تأجير سيارات ليموزين فاخرة أثناء قمة الثماني الصناعية التي عقدت في جنوى بإيطاليا. ومع ان الدبلوماسيين طردا من عملهما وعوقب اثنا عشر دبلوماسياً آخرون بالخصم من رواتبهم إلاّ ان ضمير الوزيرة لم يرتح ووجدت ان ذلك غير كافٍ فقررت ان تعيد راتبها الذي تسلمته عن ذلك الشهر الى خزانة الدولة عقاباً لنفسها. هذا الموقف الذي اتخذته وزيرة الخارجية اليابانية إزاء نفسها وموظفين متهمين بالفساد لديها له مواقف مشابهة ليست ببعيدة عن الذاكرة. فصورة وزير التربية الياباني الذي تقدم باستقالته لاظهار وسيلة من وسائل الاعلام لصورة طالب يقوم بإلقاء الكتب في الهواء في آخر يوم من أيام العام الدراسي مازالت قريبة. الوزير علل هذا التصرف بأنه فشل له ولوزارته حيث لم يستطع تحبيب الطالب في المنهج الدراسي والكتاب الذي تقوم وزارته بتدريسه له، هذا الفشل الذي اعتبره الوزير ذريعاً حمّل نفسه شخصيا مسئوليته ولم يلق بها على وكيل الوزارة والوكلاء المساعدين ومدراء الادارات ورؤساء الاقسام والمدرسين والموظفين والفراشين وسائقي الباصات كما يحدث في دول اخرى ليست اليابان من بينها كما اعتقد الوزير وأثبت. قبل عام ايضا ـ كما تقول القصاصات ـ أوقفت الشرطة البريطانية سيارة كان على متنها وزير الداخلية البريطاني لإفراطها في السرعة خلال سيرها على أحد الطرق بسرعة مئة وخمسة وستين كيلومتراً في الساعة عندما كان الوزير متوجهاً لحضور اجتماع لحزب العمال في مدينة اكستر جنوب غرب انجلترا. وقد اكتسب الحادث بعداً خاصاً لأن الوزير كان يلح دائماً على عدم التسامح مع السائقين الذين يتجاوزون السرعة القانونية، لذا قامت وزارته بنصب كاميرات فيديو على الطرق والتقاط ارقام لوحات السيارات التي تتجاوز الحد الاقصى للسرعة المسموح بها حتى وقعت سيارة الوزير في المحظور. من الأمثلة القريبة ايضاً الاستقالة التي تقدم بها قائد القوات الجوية الاوكرانية ونائبه اعترافاً بالمسئولية عن تحطم طائرة الركاب الروسية التي اسقطت فوق شبه جزيرة القرم بصاروخ مضاد للطائرات من قبل القوات الاوكرانية التي كانت تجري تدريباً اثناء مرور الطائرة بالاجواء في طريقها الى مدينة نوفوسيبيرسك الروسية. هذه النماذج التي تحمل بعضها قصاصات تعود الى أكثر من عام وبعضها لم يتجاوز عمرها شهوراً بينما يبلغ عمر البعض منها أياماً تحملنا الى جانب آخر من الصورة تطالعنا فيها لقطات لا تعّد ولا تحصى لمسئولين من العالم الثالث وعوالم أخرى، يطلق بعضهم يديه في وزارته ويتصرف بأموالها وكأنها ضيعة خاصة دون ان يرفّ له جفن أو يردعه وازع من ضمير أو احساس بأنه مؤتمن على هذا المال مسئول عن صرفه في القنوات الصحيحة، والحيلولة دون هدره وتبديده على مظاهر زائفة لا داعي لها كما فعل الدبلوماسيان اليابانيان اللذان دفعا الوزيرة الى معاقبة نفسها معهما ومع آخرين اعتبرتهم ضالعين بشكل غير مباشر في تلك التجاوزات. ونتساءل عن عدد وزراء التربية الذين توقفوا لحظة او سألوا انفسهم يوماً عن سرّ تذمر آلاف الطلبة من المناهج الدراسية العقيمة، وتقطيع بعضهم كتبه المدرسية واستبدالها خلال العام الدراسي أكثر من مرة، وعن تلك الجفوة بين الطلبة والمواد التي يدرسونها ولذلك فهي تتبخر من رؤوسهم بمجرد ان يغادروا قاعة الامتحان او ينهوا مرحلة الدراسة على احسن الفروض. أما الشرطة والعسكر في العالم الثالث فحدث عنهم ولا حرج، فهم وحدهم بين البشر من لا يأتي افعالهم الباطل من بين يديها ولا من خلفها ولا تشوب تصرفاتهم شائبة. ولا أدل على ذلك من أنهم الوحيدون الذين مازالوا يغيرون انظمة الحكم عندما لا تروق لهم أو تلوح لهم الفرصة للوثوب عليها. ولذلك فإن القوانين بالنسبة لهم أثواب فضفاضة يتحركون داخلها كيفما يشاؤون، فإذا ما ضاقت عليهم قاموا بتمزيقها وتفصيل قوانين اخرى تناسب أذواقهم وأهواءهم ومقاساتهم وعدد النجوم التي على اكتافهم والنياشين التي تزين بزاتهم. ألم أقل لكم منذ البداية إنها قصاصة مازالت تحتفظ بحرارتها التي لم يخفف من ارتفاعها سوى قصاص الوزيرة من نفسها ولكنه قصاص نادراً ما نراه على أرض الواقع، واذا ما رأيناه كان مثار استغراب وبداية أشجان ليس لها نهاية.