نحن العرب أحوج من غيرنا إلى وضع تعريف واضح ومحدد للارهاب، فقبل أن نطالب العالم بوضع هذا التعريف والاتفاق عليه، علينا نحن ان نفعل ذلك مع أنفسنا وداخل مجتمعاتنا. خلال السنوات الاخيرة من القرن المنصرم تم نحت كلمات من نوع: «الارهاب» و«الارهابي» و«الارهابيون» وغير ذلك من الالفاظ. وتم ذلك من واقع المنظور الامني فقط، مع اغفال واهمال كل الجوانب الاخرى سواء القانونية او الاقتصادية او الاجتماعية أو السياسية، بل وصورتنا امام العالم. ربما لأن مجتمعاتنا كانت في حاجة ماسة إلى استخدام مصطلح «الارهاب» او بالاحرى سلاح هذا المصطلح خلال صراعها مع جماعات العنف السياسي، تلك الجماعات التي رفعت السلاح في وجه بعض حكوماتها العربية، مما جعل هذه الحكومات توغل بدورها في استخدام المصطلح. وعبر هذه المرحلة حدث افراط كبير ومشوه في استخدام مصطلح الارهاب دون وضع تعريف حقيقي له، فخضع المصطلح للشد والجذب من كل الاطراف سواء كانت حكومية او شعبية. وكانت النتيجة ان افراد النخبة السياسية العربية طوعوا، او بالاحرى طوع كل منهم المصطلح حسب مصلحته الشخصية، احياناً لتشويه الخصوم السياسيين وربما الشخصيين. وهذا حدث من جانب احزاب ضد احزاب وقوى اخرى، بل وحدث داخل الحزب الواحد. ووسط زحام المشهد العربي استطاع الغرب ان يدخل على الخط وقام بدوره باذكاء نار هذا المصطلح ليشمل ـ وفق اجندته ـ كل العرب والمسلمين، ليس فقط انطلاقا من اخطائنا التي يرتكبها بعضنا فوق اراضيه، وانما انطلاقا ايضاً من حالة التشويه والمسخ التي اضفناها على وجه هذا المصطلح. واستطاعت اجهزة الاعلام الغربية تسويغ ونشر مصطلح الارهاب في داخل مجتمعاتها اعتماداً على ما فعلناه نحن بأنفسنا وما يريده الغرب بنا، حتى اذا ما وقعت احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي اطلقت هذه الاجهزة هذا المارد ليكتسح كل العقول في الغرب ويترسخ بقوة في نفوسهم واذهانهم حصادا لسنوات تم الضرب فيها بقوة على ما يحمله هذا المصطلح من مدلولات لا تنطبق الا على العرب والمسلمين فقط. ولو اننا منذ البداية ضبطنا مفهوم مصطلح «الارهاب» وضبطنا استخداماته فيما بيننا، وداخل مجتمعاتنا، بل لو اننا وقفنا على ارضية مختلفة لتلك التي وقفنا عليها خلال ما يزيد على عشر سنوات دق فيها هذا المصطلح ادمغتنا بعنف، لو اننا فعلنا ذلك لما استطاع أحد ادانتنا بما ليس فينا، ولكننا خدعنا انفسنا وكذبنا على عقولنا حتى كان تصديقنا لهذه الاكاذيب سهلا وسريعا، ثم اذا ما جاءنا الغرب يتهمنا وجدنا انفسنا مستعدين لتقبل تهمة الارهاب وتسويقها وفق ما يريده منا وما يرسمه لنا وضدنا. ورغم ان مجتمعاتنا عمليا لم تعرف الارهاب المنظم بالشكل الذي عرفته مجتمعات في الغرب والشرق تواجدت وعاشت به كما هو الحال مع الارهاب الصهيوني، هذا الارهاب الذي ظل طوال ما يربو على السبعين عاما يرتكب ابشع المجازر ثم ينفي عن نفسه تهمة الارهاب فصدقه الغرب لأنه يريد ان يصدقه، بل اعتبره الغرب في وسائل اعلامه وعلى ألسنة ساسته دفاعا مشروعا عن النفس! لقد ارتكبت العصابات الصهيونية ابشع الجرائم الارهابية: أبادت قرى بأكملها وقتلت اكثر من مئات الآلاف من العرب ولا تزال تقتل، واحتلت اراضي اربع دول عربية وضربت اهدافا مدنية في العراق وتونس دون ان تعتبر او تعترف بأن ذلك ارهاب فصدقها الغرب وتناغم معها ومع ما تطرحه من مفاهيم مغلوطة بين الارهاب والدفاع عن النفس. وعلى صعيدها الداخلي حرصت اسرائيل على عدم وصف مائير كاهانا وعصابته بالارهاب. وعندما سقط اسحق رابين قتيلا برصاصات ايجال عمير انكرت اسرائيل ان ذلك ارهاب واعتبرته جريمة قتل عادية وتعاملت مع الحدث وفق هذا المعيار فصدقها الغرب. وذات الامر حدث قبلا مع باروخ جولدشتاين عندما قتل المصلين في المسجد الاقصى وهم يؤدون صلاة الفجر. العالم صدقهم لانهم ارادوا ذلك لأنفسهم وللآخرين، مثلما صدقنا العالم لاننا اردنا ذلك لانفسنا ولغيرنا ايضا دون وعي منا بحجم ما نجلبه على انفسنا من مخاطر. وعندما تواجهنا نحن وهم على ارضية احداث 11 سبتمبر وما بعدها كنا نحن الارهابيين لاننا فضحنا انفسنا طوال سنوات، بينما كانوا هم ابرياء بل وضحايا لانهم انكروا التهمة عن انفسهم حتى وهم يقتلوننا بدم بارد. ويبدو ان بعض سياسيينا ممن احترف هذه اللعبة طوال سنوات واستمتع بها بدأ يدرك مؤخرا خطورة ذلك، بعد ان تم وصمنا جميعا بالارهاب لمجرد اننا عرب ومسلمون، لذا فإن الضرورة تحتم علينا ان نضع فيما بيننا تعريفا واضحا للارهاب يضع في الاعتبار الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية قبل الجوانب الامنية استعدادا لاقناع الآخرين من دول العالم به حتى اذا ما انعقد ـ ان حدث ـ المؤتمر الدولي للارهاب تمكنا من الدفاع عن قضيتنا وحقوقنا، والا فسوف نجلس جميعا في حضور التعريف الامريكي الاسرائيلي، ونضطر في النهاية ان نضرب له تعظيم سلام!