اللفظ الدال على الأدباء و المفكرين في العبرية يعني «رجال الروح أو القادة الروحيون»، ويعامل الروائيون في الكيان الصهيوني بوصفهم القادة الروحيون لهذا الكيان وتدرس أعمال مشاهيرهم في المدارس العامة و الجامعات، كما تبرز وسائل الإعلام رؤاهم وتصوراتهم بدءا من الأدب والثقافة مرورا بالأخلاق والدين وانتهاء بالسياسة الخارجية. فهم بدرجة كبيرة قوة من أهم قوى توجيه الرأي العام على المستوى الآني ومصدر من مصادر تشكيل وعي المجتمع الصهيوني بنفسه وبالعالم. وقد بقي الكيان الصهيوني منذ نشأته حتى وصول الليكود للحكم في منتصف السبعينيات تحكمه الصهيونية العمالية التي أنشأته وتشكل وعي الجيل المؤسس في ظل هذا التوجه الذي لعب دورا كبيرا في تدعيم صهيونية الكيان في وجه محاولات قطع الصلة بينه وبين الصهيونية ليصبح مجرد دولة لا تتصف بأي خصوصية دينية أو أيدلوجية . ومنذ توقيع اتفاق التسوية مع مصر عادت الحياة بالتدريج للأفكار التي تستهدف التنصل من الصهيونية حتى تبلورت الظاهرة مؤخرا فيما يسمى «ما بعد الصهيونية». وقد تناول باحثون ومحللون عديدون ظاهرة ما بعد الصهيونية وجذورها النظرية ومقولاتها السياسية، ولكن الأهمية المشار إليها للأدب في المجتمع الصهيوني تجعل تتبع آثار الظاهرة على هذا المجال كاشفة لمدى عمق التحولات التي تتضمنها الفكرة، وبخاصة أن الروائيين الإسرائيليين البارزين لا يكفون عن معالجة مفهومي الصهيونية و الدولة اليهودية في أعمالهم، فهي من ثم مرآة تنعكس عليها التحولات التي تطرأ على رؤية المجتمع الصهيوني لهذين الموضوعين. ومن الأمثلة المهمة في هذا السياق مائير إسحاق شاليف الذي لمع نجمه مع نشر روايته «غراميات روسية» 1988 التي وزع منها في الكيان الصهيوني مائة ألف نسخة وكانت ضمن الكتب الأكثر مبيعا في النمسا وألمانيا. تدور أحداث الرواية حول ثلاثة رجال وفتاة من الصهاينة جاءوا إلى مزرعة هزيلة في الجليل ونجحوا في تحويلها إلى مزرعة مزدهرة، ولم يقلع أحد مؤسسي هذه المزرعة الجماعية عن حب عاهرة روسية في بلدته الأصلية التي جاء منها ولكنه تزوج طاهية المزرعة بحكم الضرورة. ثاني المؤسسين أنفق كل ما لديه في تكديس السلاح والذخيرة وفي النهاية انفجر المخبأ وهو بداخله وحزن رفاقه برهة لمصرعه ولكنهم حزنوا حزنا شديدا على الأسلحة التي دمرت. ثالث المؤسسين «بغل» يتحدث عنه الجميع في الرواية كما لو كان آدميا، بل إنه حين مات أقاموا باسمه بناء ووصفوه بأنه من أبرز شخصيات الحركة، ويؤكد شاليف من خلال شخصيته إخلاص رواد الحركة الصهيونية للبنادق والبغال واحتقارهم الحياة الإنسانية بشكل تام وعلى طول صفحات الرواية يرد ذكر الحرب بشكل مبهم دون إشارة لأسماء وتواريخ، ويموت البشر فيها دون أن يكترث بهم أحد . ويصور شاليف الصهاينة أشخاصا يعيشون حياة لا موضع فيها لأية دوافع سياسية أو تاريخية تعطي تضحياتهم معنى، وشخصياته لا تعرف أي شئ عن المثاليات كالسعي للتحرر من الاضطهاد أو استعادة الكرامة عبر الاستقلال الوطني وبشكل صريح تصور الرواية ضحالة الصهيونية العمالية ونفاقها وخستها، كشيء ليس فيه ما يدعو للإعجاب، وهو يصور المتمردين عليها على نحو يدفع للتعاطف معهم وتأتي نهاية الرواية بأن يفقد الصهاينة الشيء الوحيد الذي يهمهم «أسطورة تفوقهم الروحي». الروائي الصهيوني الشهير عاموس عوز أكثر صرامة وقسوة، وتتسم أعماله عموما بغموض شديد فيا يتصل بالدولة الصهيونية ورموزها و«انتصاراتها التاريخية». عوز يحتقر الكثير من مقومات الدولة اليهودية ويقرر أن المحرقة جعلته يقبل القومية اليهودية بدرجة ما وقد بذل جهدا غير عادي في مؤلفاته وأحاديثه الإعلامية لتشويه الأفكار والرموز التي ترتكز عليها الدولة، وهو لا يستسيغ الولع الصهيوني بالقدس ويعكف منذ سنوات على صيغة أيدلوجية معادية للقدس إلى حد ما . أما أكثر آرائه غرابة وإثارة للدهشة فهو قوله: «أدرك أن هذا سيبدو اقتراحا مخبولا وغير واقعي الآن لكنه سيكون مقبولا خلال قرن أو قرنين ينبغي أن نحول هذا الشعب إلى شعب دون ديانة محددة فليكن أفراد الشعب اليهودي مسيحيين أو مسلمين وينبغي من الوجهة الدينية أن يكون هناك خيارات مختلفة حتى يتسنى لأبناء شعبنا الانتماء إلى أديان عديدة». وكما هو الشأن في معظم البلدان الغربية يجنح الفنانون الإسرائيليون نحو رفض المثاليات السياسية لدولتهم وبدرجة أكبر من غيرهم من صناع الثقافة، النحات الإسرائيلي إيجال تومركين يتهم الدولة الصهيونية في أحد أعماله بأنها لم تجد الخلاص إلا في فوهة المدفع، ويستدعي في أعمال أخرى مقارنات بين الدولة الصهيونية والصليبيين ويخلص إلى أن «الصهيونية كانت حلما أما الواقع فمأساة » الفنان يورام زوروف يصور المستوطن الصهيوني في صورة شخص بدين مثير للاشمئزاز على وشك السقوط، أما الرسام بيرجنر فيصور الرواد الصهاينة في هيئة حيوانات واسعة الأعين هزيلة تثير بضعفها الشفقة، وهو يؤكد في أعماله أن : «الصهيونية صارت في ذمة التاريخ». وفي أحيان كثيرة يعبر الفنانون الصهاينة بشكل صريح دون رمز عن أن الدولة الصهيونية هي الجحيم، ومن الطبيعي أن يكون الحل هو الهجرة من الجحيم، وتلك هي الرسالة المتضمنة في كثير من أعمالهم وقد استضاف المتحف الإسرائيلي بالقدس عام 1991 معرضا موضوعه حالة الاغتراب اليهودي وفقدان الجذور، والفكرة الكامنة وراء المعرض هي الاعتراف بأن اليقظة من الحلم الصهيوني تركت في الفن الإسرائيلي آثارا عميقة، وأن إسرائيل لم تعد وطنا حتى بالنسبة لليهود الذين يعيشون فيها، بل إن الكثيرين من الفنانين شغلوا أنفسهم بالدعوة لفكرة أن غرس اليهود في هذا المكان بشكل غير طبيعي أدى إلى الاختناق وأن الأفضل حثهم على الهجرة من هذا البلد. إنها صورة الأزمة العميقة التي يعيشها الكيان الصهيوني، وهي أزمة لن تحلها سياسة الاغتيالات ولا المزيد من الاستخدام المجنون للقوة لإسكات صوت الآخر، فصيحات الإنذار هذه المرة منطلقة من داخل المجتمع الصهيوني، وللتاريخ سننه التي لا تتبدل ولا بالأسلحة النووية !!. ـ كاتب مصري