في خبر صغير لا يلفت النظر ولا يثير الانتباه وربما أقل أهمية من خبر طلاق فنانة أو سرقة سيارة بدأ الإرهاب يتسلل إلينا كان ذلك في يوم الجمعة 19 ابريل عام 1974، في ذلك اليوم كانت الصحف تتحدث عن ورقة أكتوبر لتطوير النظام السياسي وتنوع مصادر السلاح والعفو عن مصطفى أمين وبعيدا عن العيون في ذيل صفحات الحوادث كان خبر قضية تنظيم الدكتور صالح سرية التي عرفت واشتهرت فيما بعد بقضية الفنية العسكرية أولى قضايا العنف والتطرف الديني في السبعينيات وهي القضية التي بمثابة بروفة كاملة بالثياب والأسلحة وباقي المؤثرات الدرامية لحادث اغتيال الرئيس أنور السادات ظهر يوم 6 أكتوبر عام 1981. كان الحادث مفاجئا ومذهلا بكل المقاييس السياسية والنفسية والدينية نزل دون إنذار أو علامات ظاهرة أو اشارات موحية كسيول الصيف في يوم حار تسيطر عليه أشعة الشمس ولا يعرف السحب ولا الغيوم فقد كانت شعبية السادات في القمة فلم يكن قد مضى على عبور أكتوبر في عام 1973 أكثر من 6 شهور فقط وكان العرب من المحيط الى الخليج في حالة من الزهو والانتشاء بما تحقق.. ومن الإنصاف أن نذكر أن السادات كان في ذلك الوقت بؤرة ضوء مبهرة لم تكن عيوبه وعيوب حكمه قد ظهرت بعد بل على العكس كان صاحب القرار الشجاع بالحرب وكان يقدم نفسه كحاكم ليبرالي يرفض الإرهاب والمعتقلات كما أنه كان يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون وصورته أجهزة دعايته وهو يحرق شرائط التنصت ويهدم سجنا شهدت جدرانه الكثير. لم يكن هناك سببا واحدا يدفع شبابا في مقتبل الحياة الى مثل هذه العملية الارهابية العنيفة فلا هم دخلوا السجون والمعتقلات ولا هم يخشون البطالة والفقر، لا هم يعانون من الغربة في بلادهم ولا هم عاجزون على التكيف مع الواقع، إن كل الأسباب التي ذكرت فيما بعد عن نمو وتفشي الارهاب لم تكن تنطبق على هذه الحالة التي كانت بمثابة ضربة البداية. لكن ما لفت النظر أن مؤسس التنظيم وقائد العملية ليس مصريا وهو ما يعني أن الارهاب بدأ في مصر مستوردا ثم تحول الى صناعة محلية، إن الدكتور صالح سرية هو فلسطيني الأصل والجنسية ولد وتربى في مدينة حيفا وهي نفس مدينة تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير الاسلامي وهو الحزب الذي كان امتدادا لجماعة الاخوان المسلمين ثم انشق عنها بسبب خلافات جوهرية حول توقيت استخدام العنف ومبرراته وأهدافه.. وقد أقام الحزب فروعا له في سوريا ولبنان والعراق والأردن لكنه عندما جاء الى مصر قرر أن يعلن عن نفسه بهذه العملية العسكرية العنيفة. لم يمكث صالح سرية طويلا في الضفة الغربية فقد كان عليه أن يرحل لاجئا الى العراق التي تعلم فيها فقد حصل على دورة ضباط الاحتياط في جيش عبدالكريم قاسم ثم تزعم جماعة سرية للاغتيالات وبعدها انضم للحزب الشيوعي لكنه سرعان ما انتقل من الضد الى الضد وأصبح عضوا نشطا في الاخوان المسلمين ولم يبق في صفوفهم طويلا واستقل عنهم وانفرد بتنظيمه الديني المتشدد الذي سمي شباب محمد وعندما جاء الى القاهرة كان يحمل شهادة الدكتوراة في مناهج التربية والتحق بالجامعة العربية في وظيفة باحث وهو عمل أتاح له أن يتصل برموز المجتمع المصري بما فيهم قيادات الاخوان الذين عرض عليهم تصوره بالنسبة لاقامة مجتمع اسلامي.. لكنهم رفضوه قائلين: ليس أنور السادات هو الرجل الذي نعمل ضده فأياديه علينا بيضاء فقد كانت العلاقة بينهم وبين السادات لا تزال في شهر العسل. تحرك صالح سرية في أوساط الشباب والطلبة في القاهرة والاسكندرية ونجح في تكوين خلايا تنظيمه العنقودية بسرعة بدت مذهلة فقد كان هناك فراغا سياسيا في الجامعات وقد بلغ عدد أعضاء التنظيم الذين كشفوا وقبض عليهم نحو 100 عضو، وحسب ما جاء في التحقيقات فإن أولوية التجنيد كانت للشباب حديثي السن.. وكان يراعي في الاختيار الأفراد الذين يتسمون بالتهور والاندفاع والاستعداد لتنفيذ ما يؤمرون به دون تردد التزاما بمبايعتهم لرئيس التنظيم على السمع والطاعة كما كان يراعي ألا تكون لهم ارتباطات بجماعة دينية أو سياسية أخرى. وحسب ما جاء في التحقيقات أيضا: كان صالح سرية حريصا على عدم إثارة الشكوك حوله فلم يكن ينفق قرشا واحدا على أعضاء التنظيم حتى لا يتشككوا في حقيقة نواياه بل على العكس طلب اليهم التبرع حتى أن أحد أعضاء التنظيم باع مصاغ زوجته بمبلغ 50 جنيها تبرع بها للتنظيم ونجح صالح سرية في تشكيل مجموعات من الشباب تضم الواحدة منها ما بين أربعة الى ستة أعضاء.. ولا يعرف أي منها أفراد المجموعات الأخرى لكن الأهم والأخطر أن موهبة صالح سرية في التنظيمات السرية جعلت التنظيم الأول من نوعه في مصر بعيدا عن عيون أجهزة الأمن. وإمعانا في السرية لم يعرف بعملية الاستيلاء على الكلية الفنية العسكرية سوى 20 عضوا فقط هم الذين قاموا بالتنفيذ بل إن أغلبهم لم يعرفوا بالخطة إلا قبل ساعة الصفر بوقت قصير.. فقد دعاهم ـ ومعظمهم طلبة في الاسكندرية ـ للحضور الى القاهرة ليستمعوا الى محاضرة دينية وتجمع أفراد المجموعة في حلقات متناثرة في ميدان العباسية القريب من مسرح العملية وهناك أوضح لهم عن الخطة. كانت الخطة تقتضي أن يرتدي أفراد التنظيم الملابس العسكرية ويستعملون الأسلحة البيضاء في القضاء على مقاومة الحرس وعقب اقتحام الكلية يقومون بفصل التيار الكهربائي عنها للسيطرة عليها بعد تخدير الحراس الموجودين بالداخل وعلى الأبواب واحتجازهم وبعد ذلك يقبض على الضابط ومدير الكلية عند حضورهم في الصباح ليصبحوا رهائن وعند الاستيلاء على ما في الكلية من أسلحة يتحرك أفراد التنظيم بالمدرعات الى مبنى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، كان التنظيم السياسي الوحيد في ذلك الوقت، حيث اجتماع رئيس الجمهورية بالقيادات السياسية وبعد إيهام الحرس بوجود متفجرات في القاعة وحدوث حالة الذعر المتوقعة يتمكن أفراد التنظيم من اعتقال رئيس الجمهورية وكبار رجال الدولة ثم عن طريق الاذاعة يصدر البيان الأول للثورة الاسلامية. كان قائد عملية التنفيذ هو كارم الاناضولي وكان طالبا في الكلية الفنية وقد حدد بنفسه ساعة الصفر وكانت الواحدة من صباح يوم 18 ابريل 1974 وكان مساعده عضو نشط في التنظيم هو طلال الأنصاري وقد جهزا مع كل شئ خمسة اقفال أقراص ترانكيلان المنومة و25 قطعة جاتوه ستوضع فيها هذه الأقراص قبل تقديمها للحراس و25 قطعة ملابس عسكرية.. وحبال لتقييد قائد الكلية وضباطه. بعد تبادل الإشارات الضوئية من داخل وخارج الكلية تحركت مجموعة الاقتحام ونجحت في القضاء على حارسي البوابة الخلفية للكلية بواسطة الأسلحة البيضاء واستولوا على بندقيتي الحارسين وتمكنوا من دخول الكلية واتجه بعضهم الى مخزن السلاح وحاولوا اقتحامه إلا أنهم لم يتمكنوا واعترضهم الحرس في الداخل وحدث اشتباك انتهى بمصرع 11 شخصا واصابة 27 آخرين وهكذا فشلت الخطة قبل أن تكتمل وفي الصباح كان رجال الأمن ينتظرون صالح سرية في مكتبه وأغلب الظن أنه فوجئ بما حدث فقد كان اسمه الحركي الذي يعرفه به أعضاء التنظيم هو الأمير عبدالله وقيل أنه كان يستعد للهروب الى الخارج وكان الدليل على ذلك أنه ترك لزوجته توكيلا لقبض مرتبه. واعترف صالح سرية أنه في حالة نجاح تنظيمه في اقتحام مبنى اللجنة المركزية كان سيتقدم الى رئيس الجمهورية بطلب للتنازل عن الرئاسة وأنه كان سيفرض على الرئيس إعلان تنازله بنفسه في بيان يذاع على الشعب وإذا رفض كان سيكلف أحد المسئولين ـ تحت ضغط السلاح ـ أن يعلن نبأ وقوع ثورة مسلحة وأن هذه الثورة تمكنت من الاستيلاء على مقاليد الحكم واعتقال المسئولين ورئيس الجمهورية وقواد الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة على أن يذاع البيان بواسطة أجهزة الإذاعة والتليفزيون الموجودة في المبنى لنقل كلمة الرئيس وكان مقررا أن يعقب هذا البيان بيان آخر يلقيه صالح سرية يعلن فيه حظر التجوال وتنصيب نفسه أميرا للمؤمنين في البلاد. في 31 مايو عام 1975 صدرت الأحكام في هذه القضية باعدام عضوين وسجن 29 عضوا وبراءة 60 آخرين وبهذه الأحكام لم يلبث الملف أن أغلق لكن لا أحد توقف ليدرس أبعاد وأعماق ما جرى ... ولو أن هذا التوقف قد حدث لكان من الممكن أن تنحرف عجلة التاريخ عن مسار اندفعت فيه وداست في اندفاعها دون رحمة على رقاب عشرات الضحايا وكلفت المجتمع مليارات الجنيهات. إن صالح سرية الفلسطيني القادم من الضفة الغربية المتأثر بحزب التحرير الإسلامي هو أول قائد لتنظيم ديني متشدد ومسلح يفكر ويسعى للسيطرة على السلطة في مصر لكن الأهم من ذلك أنه كان أول من وضع برامج واضحة لتكفير المجتمع، إن سيد قطب كان قد وصف المجتمع بالجاهلية وكان كتابه معالم على الطريق ـ وهو بالقطع ليس أفضل كتبه ـ المرجعية فيما وصف فيما بعد بفكر التكفير والهجرة ولكنه لم يترجم هذه الأفكار الى برنامج عمل محدد وفعل ذلك نيابة عنه صالح سرية في كتابه غير المطبوع رسالة الايمان وفي هذا الكتاب نجد لأول مرة نقاط محددة وعملية على أعضاء التنظيمات المتطرفة اتباعها فهو يقسم الناس الى ثلاث أصناف: مسلم وكافر ومنافق والأخير كافر أيضا لأنه مسلم شكلا واسما فقط ويقول عن رسالته الايمانية: إنها أول رسالة من نوعها تشخص الكفر الذي وقع فيه المسلمون عن علم وعن جهل بسبب الظروف التي يعيشونها والتي تجعلهم في حالة ردة جماعية أستغفر الله. ومع أنه حاصل على الدكتوراه في مناهج التربية فإن تفسيراته السياسية بدت غير متوقعة فهو يعتبر كلمات مثل الاشتراكية والديمقراطية والوطنية والقومية كلمات صريحة للكفر لأنها على حد قوله تشكل منهجا للحياة مخالف لما جاء به السلف الصالح وبصريح العبارة يقول: إن الجمع بين الاسلام والديمقراطية كالجمع بين الاسلام واليهودية.. فكما لا يمكن أن يكون الانسان مسلما ويهوديا معا لا يمكن أن يكون مسلما وديمقراطيا معا هكذا ببساطة يحرم الاسلام من الديمقراطية وهو ما رددته قيادات التنظيمات المشابهة فيما بعد. لكن الأخطر من ذلك أنه حرم العمل في الحكومة وقبض مالا منها والانتماء الى حزب من الأحزاب السياسية التي على أرضها وحرم تحية العلم وزيارة قبر الجندي المجهول والتعامل مع المسلمين الذين لا يثق في ايمانهم.. وهو ما جعل هذه الجماعات تهرب بعيدا عن الحياة في انتظار لحظة الانقضاض على المجتمع لتغييره على طريقتها. ولو قارنا قائمة المحرمات التي فرضها وسادت في كل التنظيمات المتشددة فيما بعد نجدها هي نفسها قائمة المحرمات التي تفرضها الجماعات اليهودية المتشددة في اسرئيل وعلى رأسها جماعة نتاري كارتا أو حماة القلعة وهي جماعة تعيش في حي يسمى ماي شياريم في القدس وأعضاء هذه الجماعة ينتمون لأصول بولندية وروسية ويحرم على نسائهم اطلاق الشعر ومن العار أن يأكلوا فالطعام أزيد من اللازم خطيئة ولا أحد منهم يخدم في مصالح الحكومة أو يجند في الجيش أو يأكل خارج بيته وهم لا يعترفون بدولة اسرائيل أصلا فالمسيح لم يبعث بعد والصلاة عند حائط المبكى أكبر الكبائر فهي صلاة لصنم والأحزاب السياسية خطيئة وتحية العلم.. ونشيد الصباح أيضا. ولو تأملنا الخطة التي وضعها صالح سرية للاستيلاء على السلطة في مصر لوجدناها خطة ساذجة يصعب تنفيذها ومكتوب عليها الفشل من أول خطوة كما حدث بالفعل .. فلماذا ورط أعضاء التنظيم فيما يعرف ـ بحكم خبرته العسكرية القديمة كضابط احتياط وكمناضل في الفصائل الفلسطينية ـ في عملية كان يعرف جيدا أنها فاشلة؟ .. إنني أتصور أنه كان يريد أن تفشل هذه الخطة ويقبض على أعضاء التنظيم ليعدم من يعدم وليسجن من يسجن ليصبح هناك دما وثأرا بين الشباب والنظام السياسي .. لتنفتح أبواب اللهب والانتقام .. ويدخل المجتمع المصري الذي لم يهنأ بنصره في أكتوبر في دوامات من الصراع والتخبط .. وهو ما أثبتت الأيام صحته فهل كان صالح سرية مجرد شخص تأثر بالأفكار اليهودية المتطرفة ونقلها الى برامجه مع تغيير المرجعية الدينية؟ أم أنه كان عليه تنفيذ هدف اسرائيلي خبيث وهو إشعال الفتنة التي لم تخمد حتى الآن وكلفتنا الغالي والرخيص فيما عرف بعمليات الإرهاب؟ لا أجد إجابة محددة على هذه الأسئلة لكن من المؤكد أن اسرائيل استفادت من حرب الإرهاب والتطرف التي سادت البلاد سنوات وسنوات فهي لا تريد أن ترى في مصر تنمية ولا صناعة ولا سياحة ولا استقرار وهي مستعدة أن تدفع مقابل ذلك الكثير وفي بعض الأحيان كانت هناك علاقة بين موقف سياسي مصري ضد اسرائيل وعملية من عمليات الارهاب الكبرى، إن العملية الشرسة التي وقعت في نوفمبر عام 1997 في الأقصر جاءت على سبيل المثال في أعقاب رفض مصر الاشتراك في مؤتمر الشرق أوسطية في الدوحة. ولكن كل ذلك في كوم وموقف هذه الجماعات من اسرائيل في كوم آخر إن الكتب التي تركها قادة التطرف الديني تكاد تجمع على أن العدو القريب أولى بالقتال من العدو البعيد، والعدو القريب هو نظم الحكم التي يعتبرونها كافرة أما العدو البعيد فهو اسرائيل، وكان تبريرهم أنهم لو قاتلوا إسرائيل في البداية فإنهم يدعمون بذلك العدو القريب ويمكنونه من الاستمرار. إن اللعبة التي لم نعد نعاني منها وحدنا بدأت خارج هذا الوطن، بدأت في دولة موهوبة في إشعال الفتن وتصديرها الى الدنيا كلها اسمها إسرائيل لكن ...من يلعب بالنار حتما سيحترق بها. ـ كاتب مصري