فاجأني أحد الأخوة الصحفيين منذ أيام وهو يعد تحقيقاً صحفياً حول التركيبة السكانية في الامارات، عندما بادرني بتساؤل حول مدى خطورة الوضع السكاني، وفيما إذا كان هناك احتمال مبالغة في الحديث عن هذا الوضع، فالمسألة كما يدعي البعض ليست بالخطر الجاثم وهي على أية حال تحت السيطرة!! لم يثرني حديثه أو ما ينقله عن وجهات نظر البعض، لكنني بسطت أمامه آخر احصائيات السكان ونسب المواطنين ونسب العمالة الوافدة في سوق العمل، وذكرته بحقيقة انه إذا لم يكن الرأي محايدا، وإذا كان في الكلام مبالغات فإن الأرقام محايدة والحقيقة ليس لها سوى وجه واحد فقط، رضي من رضي وتضرر من تضرر! ومع ذلك فإن المساعي التي تبذل لاصلاح خلل التركيبة السكانية كثيرة، سواء كانت على المستوى الحكومي الرسمي أو على مستوى الأفراد واهتمامات الصحافة وكتاب الرأي، فبلا شك هناك صحوة إلى درجة كبيرة تجاه هذه الاشكالية، والشعور العام بخطورة انعكاسات الوضع السكاني يتزايد لدى الجميع نتيجة ممارسات تصدر عن جماعات سكانية وعمالة أجنبية تشكل تهديداً لأمن المجتمع واستقراره، ما يجعل صناع القرار على وعي تام بالقضية، وإيمان كامل بضرورة معالجتها، ومن هنا كان تأسيس لجنة التركيبة السكانية برئاسة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، وتلك اللجنة التي انبثقت عن المجلس الوطني، إلى جانب جهود حثيثة تبذلها وزارة العمل والهجرة والاعلام في المجال نفسه. ومعروف ان المشكلة افراز لسنوات التأسيس الأولى التي دفعت نحو استيراد العمالة الأجنبية وبأعداد كبيرة لسد النقص في الأيدي العاملة لمواجهة احتياجات البناء والتأسيس، وعليه فقد تراكمت معضلة الخلل خلال عقود من الزمن، وان حلها سيحتاج لسنوات أيضاً من الجهد والتخطيط وايجاد البدائل، ولكن بهدوء وبعد نظر. المشكلة السكانية موجودة وحقيقة لا يمكن اخفاؤها لأنها أكبر من ان يتم تجاهلها، فليس في التجاهل مصلحة لأحد في هذا الوطن، ومع ذلك فإن تحديد المسببات التي تعمل على تكريسها أمر مهم، وكلنا نعلم بأن هذا الخلل قد قادت إليه العديد من الاخطاء والاحتياجات وسيبقى زمناً طويلاً مستفيداً من هذه الخلفية، ومن عقلية نفعية تتحكم في العديد من الأفراد، تغذي وجود الظاهرة، وتنميها لأنها تستفيد منها، بغض النظر عن مدى جدوى وجودها ومردوده الايجابي أو السلبي للوطن! وعليه فإن تأسيس القوانين، وفك شيفرة الاحتياجات وغسيل الأدمغة النفعية، واصلاح القاعدة المختلة، أمور تحتاج إلى زمن ليس بالقصير أبداً، بحثاً عن مخرج، لكننا نرجو ألا يكون طويلاً أكثر من اللازم، وما يجعلنا نتفاءل وان كان بكثير من الحذر! فالحركة التي نسمع عنها ونتابعها في كواليس المجلس الوطني ضمن اللجان المكلفة بالنظر في اشكالية التركيبة السكانية، والمتابعات التي تحضرها الدولة فيما يتعلق بحقوق العمال والاتفاقية التي اعتمدتها الأمم المتحدة بشأنهم، وجهود وزارة العمل في مجال نقل الكفالة وتحديد مستوى العمالة والمنازعات العمالية، كله يعد تحركاً جيداً وان اعتبرناه بطيئا ومتعثراً قياساً بحساسية القضية، ونظراً للوبي المصالح والمنافع المستفيد من هذا الخلل وبشكل كبير! ان لجنة الموارد البشرية التي يرأسها معالي وزير المواصلات وحربها المستمرة على جبهة توطين المصارف والقطاع الخاص، وبروز هيئة تنمية وما تمثله من خطوة في اتجاه الاصلاح، وغيرها مما يصب في الطريق الصحيح لمواجهة المشكلة، يحتاج إلى تأكيد وقوة دفع لكنه في المقام الأول يحتاج إلى آليات تنفيذ حاسمة، ورقابة وضبط قانوني حازم! ففي ظل الفراغ القانوني الذي نعيشه على أكثر من صعيد تصبح كل هذه الجهود بلا فائدة، ما يجعل أمر تحقيق الأهداف صعباً وعسيراً، من هنا فإن سد الفراغ في مجال القوانين مطلب أساسي في هذه المرحلة الحرجة التي نمر بها جميعاً. Aisha@albayan.co.ae