أصبحت أفغانستان منذ 11 سبتمبر الماضي في بؤرة الاهتمام العالمي وكان من الطبيعي في هذا السياق أن يتم التطرق الى السيرة الذاتية لهذه الدولة.. موقعها ونشأتها وسكانها بأصولهم وأعراقهم ومواردها، وأهم من ذلك تاريخها السياسي وتطور نظم الحكم والقوى المتدافعة فيها وارتباطاتهم مع المحيطين الاقليمي والدولي. وبحسها المرهف الآن، فهمت بعض الأطراف الغربية الضالعة في الحرب العتيدة ضد ما يدعى بالارهاب الدولي، أن التقليب في هذه (السيرة الأفغانية) لن يكون في صالحها، وقد ينعكس بالسلب على موقفها الراهن، وهي تأكدت أكثر من هذه النتيجة المؤلمة لها، إذا ما تعلق الأمر باعادة قراءة التاريخ السياسي للحالة الأفغانية خلال ربع القرن الأخير، لاسيما منذ الغزو السوفييتي لهذه البلاد عام 1979 وصولا الى يومنا هذا. ففي هذه الفترة، عرف الأفغان تجربة مريرة من السياسات النفعية الغربية تجربة أظهرت ذروة السلوك الانتهازي في ادارة العلاقات الدولية، وموجزها الانتباه الغربي الى أهمية التخلص من الاحتلال والنفوذ السوفييتي لبلادهم، بكل الوسائل الممكنة، ثم التخلي عنهم بالمطلق، وبين تداعيات مرحلة الحرب والتحرير، كانت الديار الأفغانية قد دخلت في دوامة الصراعات الداخلية المتصلة بالمصالح الاقليمية والدولية، والتي ارتكبت خلالها موبقات كثيرة، دفع الشعب الأفغاني ثمنها من أرواحه واستقراره وموارده المحدودة، وبدلا من أن يستكمل عالم الغرب، الظافر في الحرب الباردة، مهمة البناء والإعمار والاصلاح الاقتصادي والسياسي في دولة استحقت شرف المساهمة في هذا الظفر أدار هذا العالم ظهره لأفغانستان، البلاد والعباد، وراح يتخذها مثلا فذا لتخلف الحكم والسياسة على خلفية عرقية وقبلية في بلاد الجنوب. خلال هذه الفترة، انتقلت الحالة الأفغانية من دائرة انشغالات الغرب، الأمريكي والأوروبي على أرضية الصراع الدولي السياسي عموما، الى دائرة خلفية عنوانها الأعمال الخيرية والانسانية، والفرق بين الدائرتين عظيم. كان ذلك التحول الكبير في السياسة الغربية الأفغانية خطأ فادحا. ويبدو أن المسئولين الغربيين احتاجوا الى زلزال بحجم ما وقع في 11 سبتمبر، الذي تتوالى توابعه على نحو ما نسمع ونرى، كي يعترفوا بهذا الخطأ.. هذا ما يفهم بشكل دقيق ومباشر من تصريح رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) مؤخرا لقد تخلينا عن الشعب الأفغاني بعد انسحاب الروس. كان يجب وضع خطة لانقاذ الأفغان، لكننا لم نفعل لن نتخلى عنهم من جديد بعد أن اقترفنا هذه الغلطة في الماضي.. إن الاعتراف بهذا الخطأ فضيلة، ومحاولة تداركه فضيلة أخرى لكن أم الفضائل في تقديرنا هو استدراك الغرب لبقية الغلطات أو الخطايا التي اقترفها بحق شعوب أخرى غير الشعب الأفغاني المعذب، فالخطيئة الأفغانية هي فصل واحد، ربما كان صغيرا، في كتاب السياسات الغربية تجاه عوالم الآخرين في جنوب العالم، التي أنبتت بنظر الكثيرين ما يدعى بالارهاب. ما يعتبره بعض الساسة الغربيين مثل بلير، مجرد سقطة تجاه حدث أو قضية، هو في حقيقة الأمر مثال واحد على اتجاه عام في ممارسات الغرب إزاء قضايا كثيرة أرهقت أمما وشعوبا لا حصر لها، قراءة هذه الممارسات على مدار حقب ممتدة ينتهي الى هذه النتيجة نحن إذن بصدد منهجية متكاملة وليس مشهدا منبت الصلة بمسار طويل من سياسات الغرب، أثناء عهد الاستعمار التقليدي وما بعد زوال هذا الاستعمار، وصولا الى أيامنا هذه. ومن تجليات هذه المنهجية الاتجاه ما يمكن ملاحظته بشأن اسداء الوعود ثم النكوص عنها، واتخاذ مواقف متضاربة على الصعيدين الفكري والحركي، النظري والتطبيقي، بخصوص القضايا الدولية، لا يتم فيها سوى مراعاة المصالح الغربية بالمفهوم الضيق الى حد الانتهازية ويكفي النظر الى الخلف لمئة سنة، كي نتأكد كيف قادت هذه المنهجية بخصائصها المذكورة الى الوضع المأساوي في مسار الصراع الصهيوني العربي والقضية الفلسطينية ومن المفارقات الصارخة أن السياسة البريطانية بالذات، التي اضطلع بها أسلاف السيد بلير، كانت المسئولة أكثر من غيرها عن تداعيات هذا الوضع. من المؤكد أن الساسة الغربيين بحاجة الى كم أكبر من الاعترافات والاعتذارات وفيما يخص العرب من هذه الحاجة، يمكن النظر الى حديثي بوش الابن وبلير حول استشعارهم لأهمية قيام دولة فلسطينية الى جوار اسرائيل المستأمنة، على أنه نوع من الاعتراف والاعتذار المتأخرين. لكننا لن نتوقف عند هذا التأخير، فما يعنينا أكثر هو ألا يكون هذا الحديث مسايرا للمنهجية التقليدية، أي الوعد وقت الحاجة والنكوص بعد انقضائها. معظم العرب، على المستويين الرسمي والشعبي، أظهروا ارتياحا عن هذا الموقف الغربي، بيد أنهم جميعا يتوجسون منه، بحكم إكتوائهم بتجارب سابقة ونحسب أنه لن يزيل هذه المخاوف والتوجسات، غير ردف الأقوال الغربية بالأفعال. إن العمل على تطبيق الوعد الغربي الفلسطيني، هو أنسب الأدوات لاثبات الغرب لصدقيته، فالاعتراف بالأخطاء والاعتذارات الشفاهية لا تكفي لتصحيح الأوضاع، لا في بلاد الأفغان ولا في بلاد العرب. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة