جاء أول اختبار للنوايا الامريكية الحقيقية بشأن «تسوية عادلة» للصراع الفلسطيني الاسرائيلي بأسرع مما توقعت واشنطن. وسقطت الادارة الامريكية في الاختبار سقوطاً ذريعاً. مقدمة الاختبار كانت مصرع عنصرين قياديين في منظمة «حماس» الفلسطينية على يد فرقة الاغتيالات التابعة للجيش الاسرائيلي في خرق مكشوف لوقف اطلاق النار الذي التزم به الفلسطينيون سواء على مستوى السلطة او مستوى الفصائل الشعبية. وبينما كان المنتظر ان تدين واشنطن الجريمتين وتؤنب حكومة شارون فانها اختارت عمدا ان تلتزم السكوت. لكنها سرعان ما خرجت عن السكوت بقوة غاضبة فور مصرع وزير اسرائيلي في عملية اغتيال على أيدي عنصرين من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وهكذا ادى هذا التناقض الفاضح الى نسف كل ما «بشر» به جورج بوش مؤخرا وروج له توني بلير من وعود ضمنية أمريكية بأن واشنطن قررت أخيرا الاقتراب من «مشكلة الشرق الأوسط بروح العدالة والنزاهة ونبذ التحيز التقليدي لاسرائيل». رد الفعل الامريكي الفوري على حادثة اغتيال الوزير الاسرائيلي يمكن تلخيصه فيما يلي: ـ ادان الرئيس بوش الحادثة بأقوى لهجة. ـ اعتبرت واشنطن منفذي الاغتيال «ارهابيين» وطالبت السلطة الفلسطينية بملاحقتهم. ـ وصف الناطق باسم البيت الابيض حادثة الاغتيال بأنها «عمل خسيس» قائلا: «انها دليل آخر على الحاجة لمكافحة الارهاب». ـ قدم الرئيس بوش تعازيه وتعازي الولايات المتحدة في مقتل الوزير الاسرائيلي الى رئيس الوزراء ارييل شارون والحكومة الاسرائيلية والشعب الاسرائيلي والى اسرة الوزير القتيل رحبعام زئيفي. لقد نفذت القوات الاسرائيلية حادثتي اغتيال العنصرين القياديين الفلسطينيين في يومين متتاليين، وكان الاغتيال الثاني قبل يومين فقط من حادثة اغتيال الوزير الاسرائيلي، ولكن بينما تحركت الادارة الامريكية بقوة في مناصرة اسرائيل بسبب مقتل وزير اسرائيلي فإنها تجاهلت تماما مقتل القياديين الفلسطينيين. عزف جورج بوش عن ادانة العمل الاغتيالي الاسرائيلي لعنصري المقاومة الفلسطينية علما بأن الحكومة الاسرائيلية أعلنت تبجحا مسئوليتها عن التدبير والتنفيذ. وبالطبع لم تعتبر واشنطن هذا التدبير والتنفيذ عملا ارهابيا يتطلب منها ان تدعو الحكومة الاسرائيلية إلى «ملاحقة الجناة».. وهم ضباط في الجيش الاسرائيلي. وبالطبع أيضا دفنت أشلاء القياديين الفلسطينيين دون أن تتلقى قيادة السلطة الفلسطينية أو شعبها أو أسرتا القتيلين أي تعزية من الرئيس بوش. ونتوقف عند هذا التناقض الأمريكي لنعيد طرح السؤال القديم المتجدد: ما هو تعريف «الارهاب»؟ ثم ينبثق تلقائيا سؤال أهم: ماذا كان في ذهن القيادة الفلسطينية عندما قبلت بالانضمام إلى الركب الأمريكي «لمكافحة الارهاب العالمي»؟ إن الاجابة لدى الولايات المتحدة واضحة ومحددة. ذلك انها بالتعبير القاطع عن تعاطفها مع اسرائيل في حادثة اغتيال شخصية اسرائيلية مع سكوتها غير البليغ على اغتيال شخصيتين فلسطينيتين فانها تبارك الفعل الاسرائيلي بينما تصنف الفعل الفلسطيني كعمل «ارهابي». فكيف اذن تتوقع السلطة الفلسطينية انها سوف تحظى بدعم امريكي ضد اسرائيل في اطار «عملية سلام» مستقبلية تعقد بتصور امريكي بعد ان تنتهي واشنطن من انجاز مهمة القضاء على بؤر الارهاب العالمي؟ لقد ظلت الولايات المتحدة تتبنى الرؤية الاسرائيلية الى الانتفاضة الفلسطينية كظاهرة ارهابية والى قادتها ـ اسلاميين وغير اسلاميين ـ كقيادات ارهابية شريرة، وبعد ان تظاهرت واشنطن مؤخرا بأنها تحررت عن التحيز لاسرائيل فإن حوادث الاغتيالات الاخيرة المتبادلة تأتي لتكشف ان النوايا الامريكية الحقيقية لم تتغير اطلاقا.