لقد مررنا على مدى أكثر من عقدين بحالة قلب للموازين وتغير للتوازنات الحكيمة التي عبر عنها الدين الاسلامي، فالاسلام دين سلام، والجهاد ليس من الاركان الخمسة التي يؤمن بها ويسعى لتطبيقها كل مسلم، إذ أوضح الاسلام الفارق بين الجهاد الاصغر بصفته عملا مشروعا ودفاعا عن النفس وعن الحقوق، وبين الجهاد الأكبر الذي يمس النفس وتطويرها وبنائها، كما ان الاسلام في عملية القتال حدد ضوابط وحدد شروطا للقتال ترتبط بقرار الأمة ولا ترتبط بفرد أو جماعة. إن المطلوب اليوم من الثقافة الاسلامية ومن المسلمين في كل مكان هو توضيح طبيعة الدين الاسلامي بصفته دين تعارف وصداقة بين الشعوب. في هذا الاطار فإن الحديث عن «الجهاد الأكبر» بصفته الجانب الأهم في عملية الجهاد يعكس مضامين كثيرة اهملناها في ثقافتنا، كما اننا لم نسع لتطوير معانيها واستلهام ابعادها من واقعنا الانساني والسياسي، بمعنى آخر هناك في مناهجنا التعليمية ما منعنا من التواصل مع مفهوم الجهاد الأكبر بصفته أحد أسمى مفاهيم الدين الحنيف، بل فضل الكثير منا التركيز على أبعاد قتالية وتحويل الجهاد نحو مفاهيم القتال الدائم وذلك لأهداف سياسية تتعلق بالسلطة والقوة. ويختلط قلبنا للواقع مع قراءة الكثير منّا للتاريخ العربي بصفته تاريخ حروب وفتوحات مع الخارج. وبينما يمكن التأكيد بأن مراحل الصراع والفتوحات هي مراحل استثنائية في التاريخ الاسلامي وفي تاريخ كل حضارة، الا ان مراحل السلام والبناء والثقافة هي الأساس في التاريخ الاسلامي. الجهاد الأكبر في الاسلام هو لب الاسلام وذلك بصفة الاسلام دينا أراد صلاح الناس وصلاح البشر قبل كل شيء وأراد تغيير سلوكهم نحو الايمان ونحو العدالة ونحو بعضهم البعض قبل ان يسعى لبناء دولة. الجهاد الأكبر هو المفهوم الغائب اليوم في خضم هذه الحالة الصعبة والمكثفة التي تعيشها أمتنا. فأين نقف من الجهاد من اجل اخلاق أفضل، أم الجهاد من أجل الصدق، أو الأمانة، أو التواضع أو من أجل تعميق الايمان وتعميق المعرفة وتعميق ارتباط الدين بالسلوك المحب للآخرين والمنفتح على المجتمع؟ بل أي نحن من الطريقة التي تعامل فيها الرسول مع أعدائه بعد ان فتح مكة، وأين نحن من طريقته في الصفح وفي التحمل والتسامح؟ في الجوهر الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعرف الكراهية في وصف الآخرين وفي تصنيفهم وتكفيرهم وقتلهم، بل ظل قلبه مفتوحا للجميع وفي كل الظروف، ولهذا بالتحديد انتصر ونجح في خدمة الدعوة والاسلام. اليوم نجد الدين الاسلامي في كل مكان، وهناك آلاف المساجد في أوروبا وامريكا وفي الغرب، وهناك نمو سريع للدين الاسلامي في كل مكان. في هذا الاطار يأتي التطرف ليحرج المسلمين ويساهم في تراجعهم وخسارتهم، ويسيء لاستقرارهم، وليجعلهم في موقع الدفاع. بل يأتي التطرف ليجعل تعامل المسلمين مع غير المسلمين أكثر صعوبة، وليجعل أوضاع غير المسلمين في المجتمعات العربية هي الأخرى أكثر صعوبة. بمعنى آخر التطرف الديني أدى بنا الى حالة من التنازع مع العالم، والى حالة من التنازع مع بني جلدتنا ممن يخالفوننا الرأي، والى تقسيم بين الطوائف الاسلامية والى تقسيمات سلبية بين المسلمين وغير المسلمين في كل مكان. هذا كله دفع بنا الى حالة من التقوقع التي تدفع بنا الى التهلكة. إن ثقافة الجهاد الاصغر هي التي تسيطر على العرب منذ عقود، وهي التي تتحكم بتصوراتهم السياسية وبردود فعلهم وبنظرتهم للعالم وللنفس وللديانات الاخرى، وفي هذا يفوتنا القطار العالمي، ويفوتنا القطار المستقبلي، ويفوتنا امكان تطبيق ما نقول اننا نسعى لتحقيقه. إن مفهوم الجهاد الأكبر مفهوم اسلامي كبير آن الأوان لنفض الغبار عنه وذلك لأنه يصلح ويبني، يعلم ويثقف، يسوّي ويحقق ويوحّد. إن جهاد الداخل بامكانه ان يحقق نهضة للانسان أولاً، وان صلح الانسان أصبح بالامكان تحقيق نهضة تعليمية وأخرى اقتصادية وثالثة علمية، فبدون هذه النهضات لا مستقبل للمسلمين ولا مستقبل للعرب. ـ أستاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت