خلال الأيام الأولى التي أعقبت عمليات تدمير «مركز التجارة العالمي» في نيويورك، ومبنى البنتاجون في واشنطن، رمزا الرأسمالية الدولية والقوة الأمريكية الجبارة، انطلق السياسيون في كل مكان، ومن خلفهم وسائل الإعلام الغربية، ومن يتبعها أو يردد كلامها في العالم المتخلف، في إدانة «الإرهاب»، وصب اللعنات على رؤوس «الإرهابيين»، وتوالت التصريحات الانفعالية الحماسية، غربا وشرقا، التي تؤيد الولايات المتحدة في كل عمل عسكري «تتخذه من أجل استئصال شأفة الإرهاب» وقطع دابر «الإرهابيين». لكن إحقاقا للحق والحقيقة سمعنا أيضا عقولا متزنة، وان كانت قليلة، بين السياسيين تطالب بالتأني والتفكير المتزن للتوصل إلى حقيقة ما حدث، والبحث عن الجناة وعقابهم: جنائيا في الولايات المتحدة إذا ثبت أنهم ينتمون إلى هذا البلد، أو من خلال محاكمات تتم من خلال هيئة قضائية دولية إذا كان الجناة من خارج الولايات المتحدة، وإذا تطلب الأمر عملا عسكريا يجب أن يكون في إطار الأمم المتحدة وتحت رايتها. وسط كل هذا أصاب هيئة «الأمم المتحدة» الصمم والعمى والخرس، فهي لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، أو لم تسمح لها الولايات المتحدة أن تتدخل في شأن كانت ترى انه شأنها الخاص الذي يجب أن تتعامل معها بقانونها الخاص في الانتقام، ذلك القانون الموروث عن تكوينها والذي تم تكريسه في عقول شعوب العالم اجمع عبر أفلام رعاة البقر، الجاني «مطلوب حيا أو ميتا»، ومقابل مكافأة مالية، وحتى يتم تطبيق هذا الشعار ونشر المنشورات على طريقة تلك الأفلام، أسرعت الولايات المتحدة إلى اتهام العديد من الجهات التي ترى أنها معادية لها، أو تعتقد أنها كذلك. لكن المنشورات القديمة التي كانت تنشرها الأفلام على مداخل «البارات» في الغرب الأمريكي لم تكن تتحدث عن جماعات إجرامية منظمة، أي جماعية ارتكاب الجريمة، بل كان يحلو لها أن تضع مقابل بطل الفيلم الشجاع الوسيم المدرب على استخدام جميع الأسلحة، والذكي الذي يجيد حبك الحيل والخروج من المآزق، تضع «شريرا» واحدا يمكن لصق صورته على المنشورات مع شئ من «الرتوش السوداء» التي تجعله دميما محدود الذكاء يسقط في النهاية في الشباك التي ينصبها له البطل. من هنا أسرعت السلطات الأمريكية، من المخابرات المركزية إلى أجهزة التحقيقات الفيدرالية والأمن الداخلي، إلى تنفيذ رغبة الرئيس جورج بوش الابن من خلال البحث في سجل عملائها القديم، بحثا عن ذلك العدو الفرد المطلوب للمنشورات التي كان يعلقها الرئيس في طفولته على حوائط غرفة نومه، وقامت باخراج صورة لعميلها القديم «أسامة بن لادن» ووضعها على المنشور الذي يحقق أمنية رئيس يعيش بعقلية «الغرب الأمريكي». وهذه الصورة تحقق غرضين مهمين: الأول أن ذلك الشخص الفرد الذي يحقق استمرار الرؤية الأمريكية لسياستها القائمة على استخدام العنف والإجبار على الخضوع كراهية لكل من يتحداها، وثانيا أن أسامة بن لادن يمثل منذ فترة «الإرهاب الإسلامي» الذي تصوره وسائل الإعلام الغربية عدوا جديدا بعد انتهاء أسطورة «الخطر الشيوعي» بسقوط الاتحاد السوفييتي وتفتيته إلى دويلات خانعة في حاجة إلى المعونة والإحسان. لكن النيل من هذا العدو الجديد ليس كالنيل من شخصية الشرير في أفلام الكاوبوي القديمة، لأنه غير موجود في صحراء نيفادا الشاسعة، ولا يوجد في منطقة «الألامو» أو «الجران كانيون» جنوب تكساس، أو حتى يمكن عبور الحدود المكسيكية للامساك به كما اعتاد على ذلك أبطال تلك الأفلام انتهاكا لحرمة حدود بلد مجاور. «الشرير» موجود في بلاد بعيدة جدا عن الحدود الأمريكية، والوصول إليه لا يتم إلا من خلال العبور في أجواء وتخطي حدود دول أخرى، أكثرها من الدول المعادية للولايات المتحدة، من هنا انتبه البيت الأبيض فجأة إلى دور تلك المنظمة المسماة «الأمم المتحدة» في حل ما يستعصي على الإدارة الأمريكية من مشاكل تتداخل فيها أطراف علاقاتها معها غير ودية. وبدأت على الفور حملة إعلامية لإعادة السمع والبصر والنطق لتلك المنظمة التي أصابها الصمم والعمى والخرس، وتم على عجل عقد هيئتها الخاضعة للسيطرة الامريكية دائما والمسماة «مجلس الأمن» لاستصدار قرار يسمح للولايات المتحدة تخطي عقبة الوصول إلى صحراء أفغانستان حيث يوجد «الشرير» مرتكب تلك الأحداث. وصدر القرار 1373 بتاريخ 29 سبتمبر على عجل ودون تقديم أدلة «مادية» على أن هناك علاقة بين ضرب برجي مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون في كل من واشنطن ونيويورك أعداء الولايات المتحدة الذين يسكنون صحراء أفغانستان، وتم الاكتفاء بتصديق ما قاله ممثل الولايات المتحدة «شفاهة» باعتبار أن «المندوب الأمريكي» لا يكذب أبدا . بالطبع كان هناك من يشكك في صدق الرواية الأمريكية، أو على الأقل ليس مستعدا لتصديقها ما لم تقدم دلائل مادية على صدقها، ولكن المصالح تقتضي إما التأييد أو الصمت. الجميع يتحدثون عن الإرهاب والإرهابيين وكأن المسألة محسومة ولا تقبل الجدل، مع أننا لو سألنا من يؤيدون الولايات المتحدة في «تحالفها» ضد الإرهاب لاكتشفنا أن لهم تعريفات يمكن أن تختلف باختلاف المتحدث واختلاف تفكيره وأيدلوجيته وانتمائه إلى دولة تعاني من «عمليات عنف» داخلي أو تواجه عمليات عنف خارجية. الإرهاب بالنسبة لشخص مثل رئيس وزراء إسرائيل «ارييل شارون» ليس هو الإرهاب بالنسبة لمقاتل فلسطيني، فشارون يرى في الفلسطيني إرهابيا لأنه يرفض الاحتلال ويحارب من أجل تحرير أراضيه من الاستعمار الصهيوني وإقامة دولته المستقلة، والفلسطيني يرى في «شارون» إرهابيا موغلا في الإرهاب، وجرائمه اعترفت بها إسرائيل خلال لجنة التحقيق حول أحداث صبرا وشاتيلا، تلك اللجنة التي اعتبرته المسئول عن الجرائم التي راح ضحيتها الآلاف من الفلسطينيين. بالطبع لكل منهما مؤيد بين شعوب العالم الأخرى، فهناك من يؤيد الفلسطيني ويعتبره مناضلا ويدين شارون، وهناك من يؤيد شارون ويتهم الفلسطينيين بالإرهاب، لكن الامر ليس هكذا في جميع الأحوال، فما بين الأبيض والأسود توجد منطقة «رمادية» يقف فيها من لا يريد التورط بتأييد طرف ضد آخر، إما حرصا على مصالحه الخاصة أو خوفا من مواجهة عمليات «إرهاب إعلامي»، كتلك التي تمارسها إسرائيل ضد الساسة في الغرب بإثنائهم عن تأييد «الحق» الفلسطيني حتى لا يتهموا بمعاداة السامية. حتى المسئولين في الولايات المتحدة الذين ملأوا رؤوسنا بقدرتهم على القضاء على الإرهاب، وتصريحاتهم التي يطلقونها ليل نهار بأنهم يملكون الوسائل الكفيلة على قيادة حملة عالمية، أو «تحالف صليبي» بلغة جورج بوش الابن للقضاء على الإرهاب الدولي وإقامة «العدالة المطلقة»، هؤلاء المسئولون لا يملكون تعريفا محددا حول ماهية الارهاب؟ ولا من هو الإرهابي؟. هناك تعريفات أمريكية متعددة للإرهاب تختلف باختلاف المصدر: يرى القانون الجنائي الأمريكي: أن الإرهاب هو عنف سياسي مقصود وموجه ضد أهداف لا تقبل العنف والإرهابيون هم مجموعات مهمشة وطنيا أو جماعات سرية تمارس العنف بغرض التأثير على الجماهير. فيما يعرف مكتب التحقيقات الفيدرالي «أف. بي. أي» الإرهاب بأنه استخدام غير شرعي للعنف أو ممارسة العنف ضد أفراد أو ممتلكات بهدف نشر الخوف، وإرهاب الحكومات أو المجتمعات المدنية لتحقيق أهداف سياسية او اجتماعية. أما وزارة الدفاع الأمريكية فإنها تعرف الإرهاب بأنه استخدام غير شرعي للعنف أو التخويف باستخدام العنف أو استخدامه ضد أفراد أو ممتلكات للترهيب وتخويف الحكومات والمجتمعات لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو اجتماعية. أما في أوروبا فان الإرهاب بشكل عام يعرفونه على انه «جريمة» ضد المجتمع تستوجب تدخل السلطات لتطبيق القانون على مرتكبيه. وتوجد بالطبع اختلافات في تطبيق القوانين المحلية في الدول الأوروبية للتعامل مع هذا النوع من ممارسة العنف الذي يسمونه «إرهابا»، وبعض هذا الاختلاف في تطبيق القانون قد يختلف باختلاف التوجه السياسي والأيدلوجي للأحزاب الحاكمة في البلد الواحد. ولو رجعنا إلى الأمم المتحدة، تلك المنظمة التي تغفو وتصحو حسب رغبات الأقوياء فيها، فنجد أنها أصدرت قرارها رقم 1373 بتاريخ 29 سبتمبر الماضي الذي وصفه البعض بأنه «قرار تاريخي»، دون أن تحدد تعريفا لذلك الإرهاب المطلوب مكافحته، والدخول في «تحالف» لشن «حرب» ضده، وصدور هذا القرار دون تحديد لماهية الإرهاب يعود إلى رغبة الولايات المتحدة في إطلاق يدها لتحديد ماهية «الإرهاب» ومن هم «الإرهابيون» حسب ما تقتضيه مصالحها الخاصة، على أن يتم ذلك تحت غطاء «شرعية دولية». إضافة إلى أن لجانا كونتها الأمم المتحدة فشلت في التوصل إلى تعريف متفق عليه للإرهاب نتيجة عدم اعتراف بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة بحق بعض الشعوب في اللجوء إلى «الكفاح المسلح» لتحرير أراضيه، ومنها الشعب الفلسطيني الذي تضع الولايات المتحدة العديد من جماعاتها المناضلة على رأس قائمة الإرهاب، عدم رغبتها في إضافة اسم «إسرائيل» إلى قائمة الدول التي تمارس الإرهاب على الرغم من وجود الأدلة المادية الكافية على تلك الممارسة. الأوضاع العالمية الحالية لا تبشر بخير في حال استمرار هيمنة قوى معينة على توجيه العالم حسب ما يتفق مع مصالحها الخاصة وتجاهل مصالح الآخرين، لأنه سيأتي يوم تنفجر فيه الأوضاع ويصبح من الصعب السيطرة عليها، لذلك على الدول العربية أن تنتبه إلى مصالحها الخاصة، وأن تحذر من جرها إلى تأييد مواقف لها شعارات فضفاضة قد تصبح هي إحدى ضحاياها، لأن الولايات المتحدة بتوجهها الحالي لن تقف عند حد ضرب قوى معينة بمجرد الشك في أنها قد تكون معادية لمصالحها، لأنها لا تعرف المنطقة «الرمادية» في المواقف، كما قال جورج بوش الابن من ليس معنا فهو ضدنا. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا