قالت العرب قديماً في امثالها «الفُرص تمرّ مرّ السحاب»، ورددت «إذا هبّت رياحك فاغتنمها» ولا أحد مثل الاعلام يعرف قيمة الفرص، انها متى ما سنحت فانها تحقق له كسبا، ومعنى الفرص وحجمها يرتبط بقدرات الوسيلة الاعلامية وطموحاتها، فهو (خبطة) صحفية في خبر او تحقيق او حوار يتاح لهذه الوسيلة الحصول عليه فتصنع منه قضية أو يكون كذلك، فتنفرد انها تابعت وقدمت جديداً فيه فتتميز عن الآخرين. حجم ونوعية الفرصة وما تعنيه للجمهور يحددان قيمتها، لكن اهم من ذلك كيفية تعامل هذه الوسيلة مع الهدف المحقق، كيف تخدمه وتستفيد منه الاستفادة القصوى، كيف تصنعه ويصنعها، وهذا هو مفتاح النجاح. كم من أحداث صنعها الاعلام، وايضاً كم من وسائل اعلام صنعتها الاحداث والفرص. مناسبة حديث الفرص والاعلام هو حالة الحاضر الذي نعيشه وفرصة احداث (حرب الارهاب) ومدى استثمارها واستفادة اعلامنا من هذه المناسبة. فلا شك ان أهم مفردات هذه الحرب ومن اهم ابطالها هو الاعلام، قد يحقق فيها مكسباً ونجاحات وقد يخسر ويموت، انها فرصة لابد ان يتعامل معها كذلك، لأنها في جميع جنباتها حالة تقوم على ذلك. ولان هذه الحرب ـ الفرصة، معني بها العالم كله، فإن المتاح فيها ضخم ومنوع، وامام هذا الثراء في الكم المعلوماتي يحتار الاعلام مثل حيرته في حالات نقص المعلومات وكثرة المحظورات. هنا تبرز الخبرة والكفاءة وذكاء الوسيلة الاعلامية في البحث عن فرصة مختلفة جاذبة وسط ميدان الفرص المتاحة. قناة «الجزيرة» كانت رائدة في كيفية استثمار الحدث، فسجلت اسمها كبطل من أهم ابطال هذه الحرب رغم ان الحرب لم تنته بعد، فقبل الاحداث ـ الفرصة، كانت «الجزيرة» في وضع لا تحسد عليه من الناحية الاعلانية التي هي عصب كل عمل اعلامي في استمراريته خاصة بعد غياب فيصل القاسم الذي يعتبر من اهم نجوم ورموز الجزيرة في برنامجه «الاتجاه المعاكس» فكانت ورطة الجزيرة اكبر وكانت المراهنات انها ستسقط جماهيرياً أيضاً. الذي حدث ان «الجزيرة» تعاملت مع الحالة الجديدة التي طرأت كفرصة لابد من استثمارها بطريقة المحترفين، ووضعت امامها هدف النجاح والتميز. وكان ان خرجت «الجزيرة» من حدود العالم العربي ومجتمعات المغتربين العرب في المهاجر المختلفة والذين وصلت اليهم جميعا واختلفوا عليها طويلا، خرجت هذه المرة لتصل الى كل العالم، فكتبوا وتحدثوا عنها بكل اللغات في اشهر واهم القنوات والصحف العالمية. مدحوها وشتموها ومارسوا عليها كثيراً من التهديدات، ولو نجحت الضغوطات الدولية التي تمارس لكبح جماحها وقيدت حريتها بعد اليوم، يكفيها انها صنعت جزءاً من التاريخ وانها دخلت التاريخ، وطبعا لن تخرج منه ولن تنسى ابداً. ولا يحلم الواحد ان يصل اعلامنا في يوم ما الى مثل ما وصلت اليه «الجزيرة» رغم ان اعلامنا يملك من القدرات المالية والتكنولوجية والكم البشري ما يفوق امكانات «الجزيرة» وعندنا تجربة بدأت مهمة وتحمل رؤية وطموحات عالية وذلك في مشروع قناة «أبوظبي» التي فرضت وجودها في زمن قياسي. أقول ان اعلامنا بوسائله المختلفة لايزال يعاني قضايا عديدة وانه يخسر بدل ان ينجح ويستفيد من مقومات المكان والامكانيات والمزايا التي تم ايجادها من اجله. هذا الاعلام في واقعه الحالي يحتاج الى بحث ونظر. اعود الى فرصة حدث الازمة وكيف تعامل معها اعلامنا، أضرب مثلا باحدى القنوات الفضائية (الاماراتية)، ففي يوم الثلاثاء الذي حدث فيه انقلات العالم، كان الانس والجن حاضرين هناك في نيويورك وواشنطن يتابعون بعيونهم وآذانهم وعواطفهم ما يحدث، الجهاز الوحيد في هذا العالم الذي لم يهتم بهذا الحدث كان هذه القناة، كان عندها ما هو أولى وأهم من ذلك وهو (احترام) مشاهديها الذين التزمت ان تقدم لهم في هذا التوقيت مسلسلها المكسيكي اليومي! كنت اغير على مختلف المحطات وأعود لها لعلها تقطع مسلسلها في أية لحظة ولو متأخرة لكن ذلك لم يحدث. اقل من ذلك كان امامها ان تلتقط اية صورة من اي تلفزيون كما فعلت القنوات العربية (الفقيرة) او شريطا مكتوبا يحمل خبر الحادث، تقديرا لعقل المشاهد الذي يجلس لمتابعتها اذا كان هناك أحد في ذلك الظرف. ابدا، انها لم تكن في هذا العالم في ذلك اليوم، وكأن أمرها أوكل بعد ان انصرف العاملون منها ـ وهو توقيت مبكر جدا ـ الى حارسها (خان) الذي يبدو انه اغلق البوابة، وذهب يتابع الاحداث في قناة أخرى. وما تلى يوم الثلاثاء في تلك القناة انها رضيت ان تكون خارج الحدث وبعيدا عن العالم. وجاء يوم الاحد الليلة الأولى في قصف افغانستان فبدل ان تقطع ارسالها كما فعل الجميع وتبث خبر بدء الحرب، تجاهلت الحدث وانشغلت في الترفيه عن مشاهديها بتقديم برنامجها الغنائي الاسبوعي. فأي اعلام هذا؟! وسائل الاعلام الاخرى وتحديدا الاذاعية والتلفزيونية منها لم تكن بهذه الصورة التي كانت عليها هذه القناة، ولكن بعضها الكثير لم يكن افضل حالا، غابت عنها الاهداف التي يبنى عليها الاعلام: لا تنوير، ولا اهتمام بما يشغل الناس وما يرغبون في الاستماع اليه، واهم من ذلك ان هذه الوسائل غيبت اهم ركن تقوم عليه وهو الاخبار والاعلام الذي تحمل اسمه. فماذا يعني ان تستمع طوال ساعات يومك وليلك الى شريط من الاغاني لا يتوقف ولو دقيقة واحدة، لاذاعة خبر أو سماع مادة تريح العقل من حالة الهيستيريا هذه. وماذا نقول عن قناة فضائية ليست على الهامش وانما من اهم قنواتنا التي يتابعها العالم في كل مكان، وهي تعرض في ساعات الذروة عند المشاهد، وفي الحالات العصبية التي يعيشها العالم، تقدم فيلماً تافها من أسوأ وأرخص ما قدمته السينما العربية. الذي تابع اعلامنا في الفترة الماضية يشعر بحجم الضياع والتخبط الذي يعيشه هذا الاعلام. ورغم ان الاحداث هي فرصة للنجاح والتطور هي ايضا فرصة ينكشف فيها الخلل. ان اعلامنا حاله لا يسر.. ابداً. Shmitrif@Hotmail.com