في الغرب والولايات المتحدة يخضع كل شيء للدراسة والملاحظة، لا فرق بين الأمراض وأبحاث الهندسة الوراثية وثورة الجينوم، وآفاق الانفجار المعرفي وسلوكيات الانسان، فالأبحاث لا تتوقف، ومن هنا نطالع نحن ابناء العالم ـ الذي مازال ينمو ـ هذه الدراسات في صحفنا ووسائل اعلامنا بشيء من الدهشة والشك احياناً، وبكثير من الاعجاب والشعور بالنقص احياناً كثيرة. احدى هذه الدراسات ما نشر منذ عدة أشهر حول سلوك الموظفين في بيئة العمل، فقد خضع مجموعة من الموظفين والعمال لدراسات مختلفة لمعرفة العوامل المؤثرة في انتاجيتهم، ففي الوقت الذي نقول نحن ان الهدوء النفسي والرضا الوظيفي، والتقدير الذي يجده الموظف في بيئة العمل من قبل رؤسائه... الخ يحفزه لمزيد من الانتاج، فإن الدراسات الجديدة تقول العكس تماماً. هذه الدراسة جاءت من كندا، حيث يؤكد القائمون عليها ان الموظفين كلما كانوا اكثر حزناً، فإن انتاجيتهم تكون أكثر وبشكل واضح، هذا ما وجده علماء النفس في جامعة (ألبرتا) الكندية، الذين يؤكدون ان الموظفين والعمال اصحاب المزاج السيئ او الحزين يرتكبون اخطاء أقل في العمل، وينصرفون الى انجاز المعاملات والانكباب على اجهزة الكمبيوتر بجدية كاملة، ويبذلون جهداً كاملاً لاستغلال كل دقيقة في العمل دون الالتفات الى زملائهم او اضاعة الوقت في الضحك والمزاح او الثرثرة على الهاتف! فهل ذلك صحيح فعلاً؟ علماء جامعة (ألبرتا) يقولون نعم، فالموظف الحزين او المتضايق وصاحب المزاج السيئ، يحاول ان يفرغ شحنات الحزن او الغضب والضيق في عمله ولا يكون في وضع يسمح له بالضحك والابتهاج وتضييع ساعات العمل، بمعنى آخر لا يكون هناك امر أهم بالنسبة إليه من العمل لامتصاص طاقة الحزن الكامنة فيه، بينما السعداء والمبتهجون المحلقون في فضاءات التألق والبهجة لأي سبب، فإنهم يجدون ان الانغماس في العمل سوف يفسد عليهم بهجتهم ومزاجهم الطيب، فلا يحاولون تصريف طاقتهم فيه، بقدر ما يميلون للحفاظ على سعادتهم على حساب العمل. هذه الدراسة قد لا يوافق عليها الكثيرون منا، فنحن اليوم نعيش اجواء عامة تتسم بحالة من الكآبة والترقب والتوتر نتيجة الاوضاع المحيطة، وهذه المشاهد المحزنة والتي تحفر في قلوبنا اغواراً من الأسى لمرأى شعب يقتل في وضح النهار دون ذنب، سوى ان مجموعة من الناس اتهمت بارتكاب اعمال ارهابية تعيش على ارضه وتندس في كهوفه! فما ذنب نسائه المشردات في الصحاري وعلى حدود الدول؟ وما ذنب أطفاله الذين يجوعون ويقتلون ويشوهون ويحرمون مما يتمتع به أطفالنا وأطفال الغرب (المتحضر) من أساليب الحياة وفرصها الجميلة؟ لا اجابة بالتأكيد، ما يجعل الأسى أشد والعجز أقسى من ليل لا ينتهي! وهناك في قلب الوطن العربي شعب تنزف جراحه يومياً ومن عمق قلوبنا، وتبكي مآقيه من دموعنا، وتسقط حبات القلوب منا حينما يسقط فيهم شهيد او جريح، رجلاً كان او امرأة او تلميذا وتلميذة يختطف السلاح الهمجي الصهيوني روحيهما وهما يفتحان عينيهما ببراءة الدنيا بانتظار ان يحفظا درسهما الاول وأول ابجديات الحياة. ايجعل منا كل هذا الحزن الذي نقتاته يومياً، موظفين اكثر انتاجاً بالفعل؟ ام ان الناس هناك في الغرب لا يحزنون مثل حزننا ولا يعانون كما نعاني؟ حزنهم مرفه مثل حياتهم وحضارتهم، اما حزننا فله لون المأساة والدم واليتم، وهم بالفعل لا يعرفون هذا الحزن، ولذلك يستمرون في قذفنا بسلاحهم وقنابلهم، ربما لنزداد انتاجاً! Aisha@albayan.co.ae