الحرب الحقيقية سوف تكون على الارض.. لا في الجو كما هو الحال حتى هذه اللحظة. مثل هذا القول كان من الجائز تسفيهه كدعاية جوفاء عندما صدر قبل بضعة ايام عن احد وزراء حكومة طالبان الافغانية. ولكن عندما يتكرر على لسان خبير عسكري «سوفييتي» حائز على وسام «بطل الاتحاد السوفييتي» كجنرال تنيف خبرته الميدانية في مسارح الحرب الافغانية السوفييتية على عشر سنوات (1979 ـ 1990)، فإن على جورج بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد ان يصغيا جيداً ـ الا اذا كان هدفهما الحقيقي غير المعلن من اشعال الحرب الامريكية الراهنة ضد افغانستان توسيع الهامش الربحي لشركات انتاج السلاح الامريكية عن طريق تعاقدات بيع جديدة مع الادارة الامريكية. (لاحظ ان الحشد السلاحي للحرب من مئات الطائرات والصواريخ عابرة الحدود وحاملات الطائرات وغواصات لا يتناسب مع اغراض حملة ضد دولة بائسة لا توجد فيها حتى شوارع معبدة). طالبان سوف ترد على امريكا بحرب عصابات طويلة واستنزافية. هكذا يتنبأ الجنرال السوفييتي سابقاً روسلان اوشاف الذي يرأس الان جمهورية انجوشيا التابعة للاتحاد الروسي. ولأن من غير المعقول الا تكون هذه الحتمية واردة على اجندة جنرالات البنتاجون في واشنطن، فان المرء يتساءل لماذا تأخر رامسفيلد وجنرالاته في تدشين «المرحلة الثانية» من سيناريو الحرب ـ وهي الهجوم البري، بينما لم يتبق على حلول الشتاء الافغاني الاسطوري سوى نحو ثلاثة اسابيع؟ هل باتوا أسرى تردد يستدعي اعادة النظر في الاجندة الموضوعة؟ ولو انكبوا على استخلاصات الجنرال السوفييتي المخضرم بعين فاحصة وذهنية حادة متحررة من كابوس حادثة انهيار البرجين ومبنى البنتاجون، ربما مزقوا الاجندة والقوا بها في السلة. الاجندة الامريكية تقول بانزال قوة كوماندوز على الارض ايذاناً بمغامرة تستهدف اصطياد اسامة بن لادن والقبض عليه. لكن الجنرال السوفييتي يقول ان البحث عن ابن لادن في مجاهل افغانستان الجبلية «سوف يكون كالبحث عن ابرة في كومة من التبن»، في مشهد يطغى عليه حضور رهيب لكنه غير مرئي تماماً لعناصر طالبان، متحركين من كهوف الى وديان ومن وديان الى شعاب ضيقة في مجموعات صغيرة، وفي هذه الاثناء، يقول الجنرال اوشاف، سيكون جنود الكوماندوز الامريكيون «مكشوفين كثيراً لاعين طالبان في الجبال» وبالتالي «سيكونون اهدافاً حية». وعندما يبدأ هطول الثلج ايذاناً بشتاء افغاني تكون فيه البرودة من عشرين الى اربعين درجة مئوية دون الصفر، «فإن كثافة العمليات سوف تتراجع.. الامرالذي سوف يمكن طالبان من التقاط النفس». غير ان الجنرال السوفييتي لا يتعرض للحسابات السياسية التي من المحتم ان تترافق مع عملية الهجوم البري. ومما يقفز الى الذهن في هذا السياق مراهنة جنرالات البنتاجون على دور قتالي لقوات المعارضة الافغانية الشمالية. هنا نجد انفسنا بازاء مفارقة: فبينما تعتمد واشنطن على الجبهة المعارضة في حسم العملية الارضية، فإن المعارضة تراهن على نجاح القصف الجوي الامريكي في اضعاف قوة طالبان القتالية كشرط لخوض مخاطرة عسكرية برية ضد قوات طالبان. غير ان المراهنتين اسيرتا عوامل سياسية متشابكة. فبينما تتمثل اولوية واشنطن في اقتناص ابن لادن فإن قادة المعارضة ليسوا حريصين على تقفي اثره بقدر حرصهم على استلام السلطة في كابول. لكن من ناحية اخرى لا يكف حاكم باكستان الجنرال مشرف عن تذكير الجميع بأنه لن يسمح لأقلية الطاجيك والاوزبك بالاقتراب من كابول لانتزاع السلطة من حكومة الباشتون ـ ابناء عمومة الباكستانيين. فهل يدرك بوش ورامسفيلد ومعهما كولن باول ان امريكا على حافة مستنقع عسكري بقدر ما هو ايضاً سياسي؟