هناك اليوم العديد من القضايا الساخنة والمعضلات المستعصية التي ينوء بها عالمنا المعاصر وتنيخ بكلاكلها على كل بقعة من بقاع كوكبنا المترامي الاطراف، دون ان تترك مكاناً واحداً هادئ البال ومطمئن النفس وخالياً من هموم التهديدات الصحية او الامنية او البيئية او الغذائية او المائية او غيرها. وعلى الرغم من تعدد المشكلات التي تقض مضاجح الانسان، الا ان ما يسمى بالارهاب، قفز الان، ومنذ شن هجمات سبتمبر على مركز التجارة العالمي والبنتاجون، ليحتل الدرجة الاولى من سلم الاهتمام. والمشكلة هنا تكمن في التفسيرات المختلفة للارهاب، فكل دولة او جهة تفسر مفهومه بالطريقة التي تناسبها، وتتناغم مع مصالحها الضيقة. واحد الامثلة على ذلك القتال الذي يخوض غماره الفلسطينيون، بهدف الدفاع عن اراضيهم وطرد المعتدين منها، والسعي لنيل الاستقلال. وتطلق القوى الشريرة المغرضة على هذا النوع من القتال النبيل اسم الارهاب، بينما تصفه الدول والشعوب المنصفة بالكفاح المسلح المشروع. والمشكلة الثانية المتعلقة بالارهاب، ان من يمارسون هذه اللعبة، كثيراً ما ينتقمون من الناس الابرياء، تاركين خصومهم السياسيين الحقيقيين في مأمن. اي انهم يمسون بمصالح من لا ناقة ولا جمل ولا علاقة لهم بموضوع الخلاف، بينما نادراً ما يتعرضون بصورة مباشرة لمن يختلفون معهم. وهذا امر ينطوي على الكثير من الظلم والغباء وسوء التصرف. ومن القضايا الحساسة التي نواجهها اليوم، مشكلة شح المياه. وبينما كان الخوف من احتمالات نضوب الموارد النفطية، الشغل الشاغل والهم المقيم لكثير من الدول، فقد حل محله الان الخوف من ندرة المياه اللازمة للشرب، ولري الاراضي الزراعية، وسد الاحتياجات الصناعية. ويقدر ان زهاء ثمانين دولة من دول العالم تعاني اليوم من نقص المياه، وفي اقطار مثل اثيوبيا وموزامبيق لا يحصل سوى قرابة 15% من السكان على ماء الشرب النقي. وعلى كل حال، فإن المشكلة الاساسية تكمن في نقص المياه بشكل عام، وليس في نقص مياه الشرب تحديداً، لان تقدم تقنيات تحلية المياه، كفيل بتحويل كميات ضخمة من المياه غير الصالحة للشرب، الى مياه عذبة نقية. ومن المشكلات المتصلة بشكل مباشر بالمياه، مشكلة نقص الغذاء الذي يتضمن العناصر اللازمة لاستمرار حياة الاجناس البشرية والحيوانية والنباتية. وقد اصبح من المعروف ان الانتاج الغذائي العالمي بوضعه الحالي، لا يستطيع ان يجاري التفجر السكاني المتزايد. وتشير التقديرات الى ان انقضاء كل عشر ثوان يحمل معه ميلاد اكثر من ثلاثين طفلاً. ومن جهة ثانية، فإن الموارد الغذائية ليست موزعة بين الدول المختلفة، او داخل كل دولة على حدة، توزيعاً عادلاً. وهذان العاملان يؤديان الى حدوث نقص او سوء تغذية، او حتى مجاعات في بعض الدول الفقيرة، وهناك طرق عديدة لحل المشكلة، كتحسين تقانات الانتاج الزراعي، والقضاء على العقبات المعوقة للاستثمار الكامل للاراضي الخصبة، مثل (ملوحة التربة) التي تؤدي الى تراكم الايونات السامة، والى الحد من الافادة من المياه، وكذلك (نقص الطاقة) الذي من شأنه ان يقود الى عرقلة انتاج الاسمدة ومبيدات الحشرات. ومن الضروري ايضاً العمل على توفير كميات اكبر من المعادن والكاربون والتربة، ولا ننسى اهمية الابحاث الزراعية، ودورها في تحسين الانتاج الغذائي. وبينما نجد الدول الصناعية تنفق اليوم من (2) الى (3) بالمئة من دخلها القومي الصافي على الابحاث الخاصة بالزراعة والغذاء، فان الدول النامية لا تنفق اكثر من سدس هذه النسبة. ولا تفوتنا ايضاً ضرورة الافادة من الثروة الزراعية الخضراء، وما يتبعها من استخدام اصناف الحبوب ذات الانتاجية العالية. واخيراً لابد من تحقيق توزيع افضل للموارد الغذائية، سواء على الصعيد العالمي، او الصعيد المحلي. اما بالنسبة لنقص الطاقة، فعلى الرغم من انه يشكل مشكلة جسيمة تؤثر في مختلف جوانب حياة الانسان، فانها لم تعد تتسم بالالحاحية والخطورة البالغتين، كما كان الحال في الماضي. ويعد النفط من اهم مصادر الطاقة. ومع ان التقديرات تشير الى ان الاحتياطي المتوافر منه في العالم، قد لا يكفي لسد الاحتياجات اللازمة لاكثر من عدة عقود قادمة، فان احتياطي الفحم يعادل عشرة اضعاف احتياطي النفط، مما يكفي لسد الاستهلاك العالمي منه لمئات السنين. ومن جهة ثانية، فقد امكن اخيراً تطوير مصادر جديدة للطاقة، مثل الطاقة الشمسية والذرية والبحرية والريحية. كما تحسنت تقانات كفاية الطاقة، حتى انه اصبح بالامكان في حالات كثيرة استخدام اقل قدر منها، لانتاج اكبر مردود. ومع ذلك تبقى مشكلة نقص الطاقة على المدى البعيد قائمة، ولابد من استمرار الجهود لترشيد استخدامها، والتقنين في استعمالها على صعيد الاستهلاك الفردي، بطريقة تمنع الهدر. وهناك مشكلة غياب الديمقراطية وحقوق الانسان في كثير من دول العالم الثالث. وهذه تعد من اعوص المشكلات واكثرها تأثيراً سلبياً في مستقبل هذه الدول، لان التنمية الاقتصادية الحقيقية والتقدم الحضاري الفعلي، لا يمكن ان يتحققا الا في ظل ظروف مفتوحة، يستطيع الناس ضمنها التعبير عن ارائهم بحرية، والكشف عما يرونه من اخطاء وانحرافات. واذا كان كثير من مشكلات العالم يمكن بالدأب والجهد ان تجد حلولاً لها، بفضل تضافر مساعي الدول والشعوب معاً، فإن للديمقراطية وضعاً خاصاً، لان بعض النخب الحاكمة، تعتقد ان تحقيقها يتعارض مع مصالحها هي. لذلك نجدها تسعى الى اضعافها، في الوقت الذي تزعم فيه انها تؤديها او تمارسها بالفعل. وقد انعقد في العاصمة المغربية الرباط في ابريل من عام 1999، مؤتمر دولي لبحث اوضاع حقوق الانسان في الوطن العربي. وخلص المؤتمرالى نتيجة نعرفها جميعاً، وهي ان الديمقراطية غائبة في معظم الدول العربية. ـ كاتب سوري