ليس من قبيل الصدفة ان يتراجع رئيس الحكومة الايطالية برلسكونى عن تصريحه الذى قلل فيه من شأن الحضارة الاسلامية، بالقول ان تصريحه تم اجتزاؤه من سياقه وان خصومه السياسيين كانوا وراء ذلك، فالرئيس الامريكى جورج بوش هو ايضا قال مايشبه ذلك، عندما اشار الى ان الحرب هى حملة صليبية جديدة، وأرجع هذا الكلام الفاضح الى «زلة لسان». فالهجوم على العرب والمسلمين لم يكن في حاجة الى اعادة تذكير من برلسكونى ولامن بوش الابن، كى يدرك العرب حجم الكراهية التي يقابلهم بها الغرب مهما بلغت درجة التودد العربى تجاه اوروبا وسياسييها بل وحتى شعوبها. فمن قبل برلسكونى وتصريحه المتعجرف ومن قبل بوش، كان هناك عشرات من رجال السياسة والفكر والأداب الغربيين الذين صبوا جام حقدهم على الاسلام والمسلمين ووجهوا أقذر الصفات الى الدين الاسلامي، الى جانب ما اعتبر من البعض ومنهم مارجريت تاتشر رئيسة الحكومة البريطانية السابقة، ان عدو الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق أصبح الاسلام، الأمرالذى يستوجب بقاء حلف الناتو، عندما تصاعدت الاصوات الداعية الى حل الحلف بعد ان انتفت الحاجة اليه بعد ان تم تفكيك الامبراطورية المناهضة للقوة الامريكية . واذا كان المسلمون قد شهدوا خلال السنوات الاخيرة مظاهر عداء عنصرية في عدد من الدول الاوروبية، وصلت الى حد القتل في المانيا والطرد من المدارس للطالبات المحجبات في فرنسا، الى ان ازدادت حملات الاعتقال والكراهية في الولايات المتحدة في اعقاب بعض حوادث التفجيرات سواء في اوكلاهوما أو غيرها، وحتى قبل الوصول الى النتائج النهائية للتحقيقات، فان ما حدث في اعقاب عمليات التفجيرات التى دمرت برجى مركز التجارة العالمى في مانهاتن بنيويورك، ومبنى البنتاجون، كان اطلاق الضوء الاخضر لحملة عداء منظمة وقاسية باتجاه العرب والمسلمين ودون أى انتظار لاعلان نتائج التحقيق النهائية ان توجيه اصابع الاتهام للعرب والمسلمين بعد ساعات قليلة من العمليات الانتحارية ، يعنى ان الأمر يبدو مبيتا، فهناك ظلال من الشكوك تحيط بهذا الموضوع في كافة تفاصيله لعل من أبرزها ذلك الحدث الذى لايمكن اعتباره عرضيا، والذى يتمثل في غياب اكثر من اربعة الاف مواطن اسرائيلى عن مقار اعمالهم في مركز التجارة العالمى في نفس اليوم الذى وقعت فيه التفجيرات، في الوقت الذى تم فيه القبض على عدد من الشبان الاسرائيلين وهم يقومون بتصوير حطام المركز التجارى الدولى والرقص ابتهاجا في مكان الحادث ، وكل هذا في الوقت الذى كانت قوائم الاتهامات جاهزة ضد العرب والمسلمين على وجه الخصوص، وكان العدو التقليدى والجاهز في كل المناسبات موجودا وموصوفا، وغير مسموح له حتى بالدفاع عن نفسه و دحض تهمته . المأزق الأكبر ثمة شكوك كبرى لكن المؤسف هو ان الامر خرج من يد العرب ، وبات مطلوبا من جميع الدول العربية ان تلحق بالركب الذى أصبح من المؤكد انه سوف يوجه في بعض مراحله ضد العرب انفسهم ، وضد طموحاتهم الوطنية، فهل هناك مأزق اكبر من هذا ؟ . ان الاحداث الدامية التى شهدتها نيويورك وواشنطن في شهر سبتمبر الماضى شكلت حدا فاصلا بين موقفين غربيين تجاه العرب والمسلمين، ومع ان العلاقة التى سادت قبل سبتمبر لم تكن جيدة تماما، الا ان الأمر لم يكن يصل الى حد الكراهية وتمنى ازالة العرب من الوجود كما يحدث اليوم، كما لم يكن الأمر في حاجة الى حرب صليبية جديدة مثلما ورد في زلة اللسان الرئاسية الفاضحة . الموقف الغربى الذى أعقب تلك الهجمات، قد يكون شديد العداء للاسلام والمسلمين، ومن بينهم العرب بالطبع، الأمر الذى يعنى ان العلاقة بين الغرب والشرق مرشحة لمزيد من الصدام خلال السنوات القليلة المقبلة، يغذى نيران هذا الصدام مايمكن ان يطلق عليه الفهم الخاطيء الذى يتعمد الغرب قادة وشعوبا الركون اليه، دون بذل أدنى محاولة للاقتراب من فهم الاسلام، والبحث الجاد في الاسباب التى تدفع الشعوب العربية والاسلامية للشعور بكل هذا الحجم من مشاعر الكراهية للولايات المتحدة الامريكية والغرب عموما، بعد كل تلك السنوات الطويلة من الظلم الذى أحاقه الغرب بالعرب والمسلمين ، وبعد حقبة امتدت زمنا من الاستعمار والاستغلال والابادة ونهب الخيرات، وقهر المسلمين وايصالهم الى ادنى درجات التخلف والاستعباد . فبعد هذا الظلم الفادح الذى تعرض له العرب والمسلمون، على يد الاستعمار الغربى، انتظرت شعوب المنطقة كلها انصافا من مستعمريها السابقين، فجاء الأمر معاكسا تماما لتلك الأمنيات . الان بات مطلوبا من الضحايا السابقين والحاليين الالتحاق بالركب الهادف تحت حجة مقاومة شبح الارهاب الغامض وغير المحدد الملامح، الى القضاء التام على تطلعات الشعوب العربية والاسلامية في الزمن الحالى وربما لازمنة اخرى قادمة. شروط ضرورية ولكن في ظل التلهف الغربى على مشاركة الدول العربية في محاربة الارهاب الدولى، بات العرب ربما للمرة الاولى في التاريخ الحديث أمام فرصة سانحة لاملاء بعض الشروط على هذا التحالف الذى يوجه الآن ضربة عسكرية الى قوات حكومة الطالبان، وهي الحكومة التى لم تحظ منذ وصولها الى الحكم في كابول بأي تأييد عربي على المستويين الشعبى والحكومى، بسبب تلك الممارسات التى أعادت الشعب الافغاني للعيش في العصور الوسطى وبسبب الانطباع السييء الذي رسخته في الاذهان عن الاسلام والمسلمين، على الرغم من المحاولات العديدة من الشعوب العربية والاسلامية للتأكيد على ان ممارسات الطالبان لا تمت من بعيد أو قريب الى التعاليم الاسلامية السمحة التى تعلى من قيمة الانسان، وكرامة البشر . فى هذا الوقت هناك تعاطف عربى كبير مع المسلمين الافغان، وهناك كراهية تكاد تكون عارمة للولايات المتحدة لأسباب معروفة أهمها ان السياسة الامريكية ضد الطموحات العربية قد بلغت حدا شديد الانحياز في تأييدها للممارسات الصهيونية المجرمة ضد الشعب العربى الفلسطينى، في الوقت الذى وصل فيه الانحياز الى اشده مع صعود الادارة الامريكية الحالية الى الحكم، ففي الوقت الذى انتظر العرب فيه من الرئيس الحالى جورج بوش الابن ان يتخذ موقفا منصفا للعرب بعد ان ساندته جالياتهم في حملته الانتخابية و في الوقت الذى انحازت الجاليات اليهودية الى جانب منافسه آل جور، فان بوش ووزير خارجيته كولن باول، اختارا الابتعاد عن قضية الشرق الاوسط، ورفض الرئيس الامريكي استقبال رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات، بينما فتح ابواب البيت الابيض امام رئيس الحكومة الاسرائيلية الارهابى ارييل شارون، على الرغم من توارد انباء المذابح والاغتيالات اليومية التى ينفذها الجيش الاسرائيلى ضد الشعب الفلسطينى الاعزل وقياداته السياسية. من هنا فان هناك كراهية غير مسبوقة في حجمها من الشعوب العربية والاسلامية للولايات المتحدة، ومخاوف غير محدودة من ان تطال الحرب مستقبلا دولا عربية ومنظمات للمقاومة ضد الاحتلال الصهيونى. لكن ذلك في الواقع من المفترض الا يعنى ان هناك فرصة يجب انتهازها لصالح القضية العربية الاولى، وهي قضية اعادة الحقوق المسلوبة الى الشعب العربى الفلسطينى، والوصول الى حل عادل وشامل لتلك القضية، الى جانب القضايا العربية الاخرى العالقة، اذ انه يكفى ان العرب سبق لهم ان انخدعوا في السابق ومن نفس الولايات المتحدة، حين أخذوا وعدا بحل قضية الشرق الاوسط، دون ان يحدث ذلك عمليا على ارض الواقع، بل ان مايحدث حاليا من سيناريو اسرائيلى يهدف في النهاية الى عزل مدينة القدس وتحويلها الى عاصمة نهائية للكيان الصهيوني وهو الأمر الذى يجب ان تفهم الولايات المتحدة والتحالف الغربى ان القبول به مستحيل من أى عربي أو مسلم . الان العرب مدعوون للمشاركة في تحالف دولى عريض لمحاربة الارهاب، وسواء أوافق العرب على الدخول فيه أم لم يوافقوا ـ هذا على افتراض ان للعرب كلمة موحدة فيه ـ فان هذا التحالف سيتم ، وسوف يوجه ضرباته الى قوات الطالبان، مادامت باكستان والهند واذربيجان وتركيا وروسيا الاتحادية قد اندفعت جميعها للحاق بركب هذا التحالف، ومادامت قد تسابقت في عرض قواعدها ومطاراتها وحدودها لقوات هذا التحالف الجديد . المطلوب من العرب والحال كذلك هو اعطاء غطاء اسلامى هذه المرة، فقبول العرب وتأييدهم بات أمرا شديد الاهمية لهذا التحالف، ولكن بشروط يجب ان تكون الكلمة العربية موحدة للتمسك بها، ومنها: ضمان ان تكف واشنطن عن الانحياز المقيت للاجرام الصهيونى وان تضمن الوصول الى حل عادل يرضى طموحات الشعب الفلسطينى في السيادة على ارضه واقامة دولته المستقلة، والا تطال الضربات المقبلة بأي حال من الاحوال منظمات وفصائل المقاومة العربية والاسلامية الموجهة للاحتلال، والا تتوجه الضربات الى الشعب الافغانى أو أى شعب عربى أومسلم، على ان يثبت هذا التحالف الذى يضم في قواه الرئيسية دولا تجاهر بالعداء ضد المسلمين ووصمهم بالارهاب، ان تثبت ان الاجندة الخفية للمخطط الذى تنوى قيادة ذلك التحالف تنفيذها على مدار عشر سنوات، لا تتضمن التحول عن هدفها الرئيسى الى محاربة العرب وابادة المسلمين لأى سبب، هذا على الرغم من صدور بعض التطمينات والاشارات من هنا وهناك، تشير الى تقدير للدين الاسلامى وفصل موضوع الارهاب عنه، فقد تعودنا في الشرق الاوسط سماع الوعود الغربية، ولكن التنفيذ في كل مرة يظل أكثر النقاط ضعفا في اي اتفاق ـ كاتب مصرى