الساعة لم تكن قد جاوزت الخامسة من يوم الجمعة 12 اكتوبر الحالي .. دق جرس الهاتف متواصلا وملحا في منطقة «ساتون بليس» في مانهاتن، رفع ساكن المنزل السماعة وهو بين يقظة ومنام ليأتيه الصوت من الطرف الآخر قائلا في نبرة اعتذار يخالطها قدر لا يخفى من الاثارة والانفعال. ـ سيدي الأمين.. آسف على الازعاج .. انا ايكارد ـ ماذا حدث؟ (قالها في توتر مشوب بالترقب) ـ مبروك جائزة نوبل للسلام. في نفس اللحظات من تباشير اليوم كانت اجهزة الميديا في انحاء العالم تذيع النبأ: اعلنت الآن اللجنة النرويجية المسئولة عن جائزة نوبل العالمية منح جائزة نوبل للسلام لعام 2001 الى منظمة الامم المتحدة والى امينها العام كوفي عنان. 100 عام على نوبل ولقد جاءت جائزة عام 2001 الحالي الآن وقد اكتست سمة رمزية كما قد نسميها انها الجائزة رقم 100 بالضبط بمعنى ان اصبح عمر جوائز السلام الدولية قرنا كاملا بالتمام والكمال .. وقد شدد على هذا الجانب الرمزي وعلى دلالته البليغة رئيس لجنة نوبل وفي العاصمة النرويجية اوسلو قال جونار بيرج: ان اللجنة ارادت ان تعلن في السنة المئة من منح الجائزة ان طريق التفاوض الوحيد نحو تحقيق السلام والتعاون العالمي يمر اساسا بمنظمة الامم المتحدة. اما في نيويورك فقد احتشد الموظفون والخبراء العاملون في مقر الامم المتحدة في ردهة المبنى الشهير القائم على ضفاف نهر الايست من شرق جسر يربط مانهاتن للترحيب بامينهم العام الذي توقفت سيارته اللنكولن السوداء تحمل اللوحة الدبلوماسية رقم واحد في موعدها الصباحي كل يوم. وهبط منها كوفي عنان (هذا هو الاسم بالكامل في اصل موطنه ولغته الأم في قبائل غانا لا يفيد الاسم الى معنى او دلالة في لغتنا العربية ولكن الامين العام يحب ان ينطقه فيما نعلم بهذه الصيغة). ـ هيئته الهادئة . .اعوامه الثلاثة والستون قامته الطويلة المنتصبة بغير امتلاء ملامحه الافريقية التي تجمع بين سحنة داكنة ويعلوها شيب في الرأس واللحية يضفي على الشخصية مزيدا من وقار، وان كان يضفي عليها ايضا لمسات من حزن خفي او هو شجن مكتوم يكاد المرء يقرأه في عينين واسعتين لايدري المرء أمن كثرة التأمل ام من طول الاندهاش. الجائزة والحقنة وحين لمح الامين العام حشود الموظفين وهم يصفقون في جزل حقيقي لم ينته، وهو كبير الدبلوماسية الدولية كما يسمونه ان يربط في لمحة سريعة بين الفرحة بالجائزة الدولية الرفيعة، وبين ظروف التوتر والترقب التي مازالت تسود نيويورك بعد الفاجعة التي صعقتها في الحادي عشر من سبتمبر الماضي هنالك صرح الامين العام وسط جموع موظفيه قائلا: ـ لقد فزنا بجائزة نوبل .. واتصور انها جاءت بمثابة حقنة مقوية في الذراع جاءت عن جدارة حقيقية وكنا بحق في حاجة اليها. ثم تفرس كوفي عنان في وجوه الموظفين بعضهم يعرفه عن قرب وبعض المخضرمين منهم كان تربطه به آصرة من زمالة في هذا الموقع او ذاك .. وكثير منهم من الوجوه المألوفة التي طالما كان يطالعها حين كان يشاركهم واحيانا لا يزال يشاركهم ركوب المصعد وهو في طريقه الى مكتبه في الطابق الثامن والثلاثين وربما عز عليه ان يستبقى كل هذه المئات بعيدا عن مهامهم في ادارات المقر ومكاتبه ودوائره (يعمل بالمقر في نيويورك نحو 4500 موظف) فقد تغيرت لهجته متسائلا بمزيد من المودة .. الرفاقية كما قد نصفها: ـ علينا ان نواصل اعمالنا ومن يدري؟ اذا ماواصلتم العمل قد يفوز البعض منكم بجائزة نوبل اخرى. وعندما تعالت ضحكات من وسط الجمع، اضاف: ولكن اذا ما كان لكم ان تحصلوا على نوبل القادمة .. اظن من الافضل ان نعود جميعا الى اعمالنا. ثاني امين عام هكذا انفض الجمع وسط احساس عام بالانجاز والتقدير بالجائزة وكما هو معروف، ممنوحة في وقت واحد للمنظمة ككل وايضا للأمين العام كفرد وهو بالمناسبة ثاني امين عام يفوز بالجائزة حيث سبقه الى الفوز بها عام 1961 سلفه السويدي داج همرشولد ـ ثاني الامناء العامين بعد ترجيعها الى الدنماركي الذي عاصر المنظمة منذ تأسيسها في منتصف الاربعينيات وفيما لقي همرشولد مصرعه اذ كان في مهمة سلام انسانية في غرب افريقيا في اواخر 1961 ايضا فلا تزال الحوليات السياسية لمنتصف القرن العشرين تذكر له بالتقدير موقفه النزيه المنصف ابان احداث السويس التي بدأت بتأميم الزعيم العربي عبد الناصر قناة السويس في يوليو 1956 وتأزمت بعقد الدورة الاستثنائية للجمعية العامة التي اشرف عليها همرشولد كأمين عام وفيها تجلى حق مصر العربية في استرداد قناتها ومقدرتها الفائقة على ادارة هذا المرفق المائي الوطني لصالح الملاحة الدولية .. وحين اشتعلت الازمة بلهيب العدوان الثلاثي في خريف العام المذكور الذي شاركت فيه بالتواطؤ كل من بريطانيا (انطوني ايدن) وفرنسا (جي موليه) واسرائيل (ديفيد بن جوريون) تجلى ايضا موقف داج همرشولد الذي هدد بالاستقالة من منصبه الدولي السامي اذا لم ترتدع قوى هذا العدوان. 5 جوائز سابقة من ناحية اخرى فقد ظلت منظومة الامم المتحدة في عمومها (بمعنى المقر في نيويورك والوكالات المتخصصة الشريكة له في هذه العائلة الدولية من المؤسسات) محل تقدير من لجنة اوسلو المسئولة عن منح جوائز نوبل للسلام وخدمة الانسانية .. ومن هنا نالت اطراف المنظومة على مر اعوام سبقت 5 جوائز نوبل للسلام على الوجه التالي (1) عمليات الامم المتحدة لحفظ السلام في عام 1988 (اقدمها قوات مراقبه الهدنة في فلسطين وكشمير وقبرص .. واحدثها عمليات السلام في كوسوفو وتيمور الشرقية). (2) مفوضية الامم المتحدة لشئون اللاجئين وقد نالت الجائزة عام 1954. (3) وعادت المفوضية فنالت نوبل عام 1981 (وربما تفوز بها في اعوام مقبلة بفضل جهود جبارة ومضنية في بعض الاحيان لرعاية اللاجئين والمشردين عن اوطانهم في طول العالم وعرضه، وها هي احداث افغانستان الاخيرة والراهنة تضيف اعدادا كثيفة من اللاجئين على حدود ايران وباكستان وطاجيكستان ناهيك عن الافغان المشردين داخل حدود وطنهم الاصلي .. مما يقض مضاجع المفوض السامي لشئون اللاجئين، وايضا مضاجع السيد عنان الذي لا يكاد يهنأ بنوم مريح او عميق في مسكنه الفخم في «ساتون بليس» المطل بدوره على نهر الايست. (4) منظمة العمل الدولية وهي الساهرة كما يدل اسمها بوصفها وكالة دولية متخصصة على تنفيذ اتفاقيات حقوق العمال من رجال ونساء وقد حصلت على نوبل عام 1969 كما استرعت انظار المراقبين لمقاومتها تشغيل الاطفال (عمالة الطفل) بما ينال من صحتهم ويعيق نموهم الطبيعي ويصرفهم عن الالتحاق بسلك التعليم النظامي. (5) منظمة الامم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) وقد نالت جائزة نوبل عام 1965 وكان اسمها آنذاك هو صندوق اغاثة الطفولة ورغم انها مازالت تحتفظ بالاسم القديم تاريخيا في اصله واختصاره الانجليزي الا ان الاسم تغير في الصيغة او الترجمة العربية آية على ما طرأ من نضج على منظمة الطفولة . دبلوماسية عنان الهادئة يقول الصحفي الامريكي سيرج شيمان (بنيويورك تايمز عدد السبت 13/10): ان كوفي عنان يتميز بنوع من الصراحة الرقيقة المهذبة والمتواضعة ومن ثم فهي صراحة مقبولة حتى ولو اتسمت بالانتقاد الملاحظات التي يدلي بها. كان عنان يزور اسرائيل عام 1998، وكان جمهور مستمعيه في اجتماع سياسي ممن لم يتعودوا الاستماع الى نصائح من آخرين ولا عجب فاسرائيل تتصرف بعنجهية المسنود الى اكبر قوة في العالم وهي امريكا وهي تمعن في هذا الصلف المغرور الى حدود تنبو عن المنطق وتستفز الحليم في كثير من الاحيان. مع ذلك .. اراد الامين العام للامم المتحدة وهو للعلم لا يملك سوى سلطات محدودة ولا يتمتع سوى بقدرات للضغط اكثر من محدودة ـ اراد ان يبلغ مستمعيه في اجتماع القدس رسالة ما .. ومن ثم فقد خاطبهم بطريقته الهادئة والمهذبة قائلا على نحو ما تنقله نيويورك تايمز: لست ممن يسعدهم ان انحو عليكم بالملام ولكنني اتصور ان من المهم ـ بالنسبة لكم يا اصدقائي الاسرائيليين محاولة ان تفهموا ان هذه المظالم والمعاناة لا تأتي عادة من فراغ (وكان يشير الى ما يشعر به ابناء الشعب الفلسطيني بطبيعة الحال). من ناحية اخرى .. يتوقف المحلل السياسي عند واقعة الاتصال الهاتفي الذي تم عقب اعلان الفوز بين الرئيس الامريكي بوش وبين السيد كوفي عنان الامين العام للأمم المتحدة تم الاتصال صباح السبت 13/10 حيث وصف الرئيس بوش حصول الامم المتحدة وامينها العام على نوبل بانه شرف عظيم والمهم ان بوش على نحو ما اوضح آرى فلتشر الناطق باسم البيت الأبيض اكد على ان الامم المتحدة سيكون لها دور مهم تضطلع به في مستقبل افغانستان. تراث بطرس غالي ولقد توقفنا عند هذا الجانب من مهام الامم المتحدة ذلك الذي سبق الى تسميته أمينها العام السابق الدكتور بطرس غالي بانه بناء مابعد انتهاء الصراع ذلك لان بطرس غالي، بوصفه استاذا سابقا للعلوم السياسية كان قد رسم خطة شاملة لدور الامم المتحدة في اتون الصراعات الداخلية التي تنشب داخل الدول أو تنشب على الصعد الاقليمية وتبدأ الخطة بما وصفه البروفسور غالي بانه الدبلوماسية الوقائية وتنتهي بعملية دعم الدول والشعوب لترميم ما اصاب كياناتها وهياكلها الاساسية من تصدعات وشروخ وانهيارات. دور الامم المتحدة في افغانستان وتبقى في هذا الصدد الاعتراف بان ما قاله الرئيس بوش للسيد عنان يأتي اشارة الى ماطرأ من تحولات نراها مهمة بل وجذرية على فكر الرئيس الامريكي نفسه وعلى اجندة السياسية الخارجية التي كان يعتمدها منذ وضعتها آليات الفكر السياسي لدى الحزب الجمهوري بالولايات المتحدة باشراف البروفيسور كوندوليزا رايس (وكنا قد عرضنا لهذا الموضوع في مقالات سبقت على صفحات البيان منذ صيف العام الماضي). كانت هذه السياسة (التي اصبحت قديمة او تجاوزتها الاحداث ولا سيما بعد واقعة 11 سبتمبر الماضي) تقوم على اساس نمط جديد من عزلة القوة الامريكية في عهد بوش الجمهوري وعزوفها عن التعاطي مع، او التداخل، في معظم الصراعات او القضايا الناشبة في العالم. في اطار هذه السياسة وصف بوش نهج سلفه الرئيس كلينتون بانه كان خاطئا اذ انغمس الى حد مبالغ فيه مع الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي ومن ثم اعربت ادارة بوش عن عزمها ترك المسألة للاطراف دون تدخل (وكان هذا يعني ضمنا ان تنفرد الآلة الحربية الغاشمة في اسرائيل بالجماهير الفلسطينية المحتلة اراضيها والمصادرة لمواردها والعزلاء من اسلحة يعتد بها للمقاومة). تحولات المستر بوش لكن هاهي سياسة بوش الخارجية وقد انقلبت رأسا على عقب: والتعبير الآخر اورده في مقال منشور مؤخرا كاتب امريكي محتدم هو انتوني لويس وقد اختار للمقال عنوانا له دلالته التي لا تخفى هو: دنيا المستر بوش الجديدة. في سياق هذا العالم الجديد بدأ بوش يتحدث عن اهتمامه بقيام دولة فلسطينية ثم تحدث في خطاب مؤخرا عن اهمية بناء الدولة بعد انتهاء العمليات الحربية في افغانستان وكان في ذلك يصدر عن دراسة مستفادة من تجربة الماضي القريب حيث دعمت امريكا العناصر الافغانية المحلية حتى انتهت موجة الغزو السوفييتي لبلادها وبعدها انسحبت امريكا بامكاناتها وسيساستها ونفوذها وتركت افغانستان نهبا لصراعات داخلية فكان ان سقطت البلاد في ايدي طالبان وعادت امريكا لتدفع الثمن مؤخرا وكأنما تسدد فواتير اهمال الشأن الافغاني على مدى عقد التسعينيات. وفي ضوء ما سبق فنحن نرى ان واشنطن قد عبرت عن هذه التحولات من خلال مقولتين اساسيتين: الاولى وقد عبر عنها بوش شخصيا في مؤتمره الصحفي المصور يوم 11/10 حين قال: علينا .. ان نتعلم درسا من تجربتنا السابقة في منطقة افغانستان وهي الا تغادر المكان ببساطة بعد تحقيق هدف عسكري كنا نتوخاه. والثانية .. عبر عنها بلسان الناطق الصحفي باسم البيت الابيض وفي سياق ارجائه التهنئة على جائزة نوبل للسيد كوفي عنان ومؤداها ـ كما المحنا ـ ان دور بناء الدولة وتمهيد الاستقرار في افغانستان ومن ثم استتباب السلام على اساس من الوحدة الوطنية والمشاركة والحكم الرشيد بما في ذلك حل مشاكل اللاجئين وبدء السير على طريق التنمية كلها مهام ينبغي ان يوكل تنفيذها الى منظمة الامم المتحدة بناء على تجاربها الايجابية في مواقع شتى من العالم، وايضا للحيلولة دون انفراد دولة ما او حتى مجموعة من الدول بمقاليد الامور في افغانستان. تلك مهمة هي من الصعوبة بمكان على الامم المتحدة ان تستعد للنهوض بها. والا فما جدوى تكريمها بمنحها جائزة نوبل للسلام؟ ـ كاتب سياسي مصري