عرفت متعة اقتناء الكتب للمرة الأولى مع العم كامل. قبل ذلك، كنت أشتري هذا الكتاب أو ذاك في المنهج المدرسي، أو لاختصار الدروس المملة في المواد الدراسية التي لم أكن أحبها، وما أسرع ما كنت أتخلص من هذه الكتب المدرسية التي كانت تنتهي مهمتها بامتحان نهاية العام، وظهور نتيجة النجاح كالعادة. ولكن الكتب الأخرى، كتب المتعة التي تقع خارج نطاق جهامة المدرسة الاعدادية، فلا أذكر أنني اشتريت منها بمصروفي المتواضع سوى كتابين، كتاب (سير الأنبياء) الذي لم أعد أذكر مؤلفه على وجه التحديد، وأظنه الثعالبي على سبيل الترجيح، وهو كتاب مليء بالقصص التي تدخل في باب المأثورات الشعبية، ويتضمن كما كبيرا من الخوارق الدينية التي كانت تشد مخيلة تلميذ بدأ يدخل مرحلة المراهقة، ويعاني حدة التوتر التقليدي بين قطب الدين وقطب الجنس. وكان الكتاب الثاني هو (ألف ليلة وليلة) بأجزائه الأربعة التي صبرت كثيرا حتى اكتمل لي ثمنها من مصروفي اليومي المتواضع، واقتضى شراؤه انتظارا طويلا على عكس كتاب الثعالبي الذي كان مجلدا واحدا، ولم يتطلب سوى مصروف عدة أيام. ولا أدري ماذا فعلت بهذين الكتابين؟ الأول سرعان ما نسيته وفقدت الاهتمام به، فاختفى مع (كراكيب) المنزل التي تجدها أمامك لأيام، وربما لأشهر، فتنساها، ولا تذكرها إلا بعد أن تكتشف أنها لم تعد موجودة، ولا تجد في نفسك حماسة للبحث أو السؤال عنها، ولا تلبث ذكراها أن تضيع مع الوقت. أما (ألف ليلة) فقد عمر طويلا، وبقي معي لسنوات الدراسة الثانوية الى أن تفرق بين أصحاب هذه المدرسة الذين تعودوا استعارة الكتب وعدم ارجاعها كسلا أو طمعا. ولم يكن شراء هذين الكتابين من قبيل هواية اقتناء الكتب، وإنما من قبيل الفضول النهم لإشباع الخيال المنطلق لسنوات الصبا، خصوصا بعد أن سمعت عنهما من الذين سبقوني في تجربة القراءة. المرة الأولى التي تكونت لي معها عادة الحرص على اقتناء الكتب، وشرائها، وتكوين مكتبة من الكتب التي أحبها، كانت وأنا طالب في السنة الأولى من المدرسة الثانوية. كنت قد بدأت أحب الذهاب الى المكتبة، ويترسخ حبي للقراءة، بل تدركني هواية الأدب التي دفعتني الى تجربة كتابة قصص وأشعار وسرعان ما تخليت عنها. كانت مدرستي الثانوية الأولى مدرسة حديثة البناء، اسمها مدرسة طلعت حرب الثانوية، تقع في أطراف مدينة المحلة الكبرى بجوار مصانع الغزل والنسيج المشهورة. وكنت أسكن مع أسرتي في قلب المدينة القديمة، وأقطع الطريق يوميا من الحي الذي أسكن فيه الى الحي الجديد الذي تقع فيه المدرسة، وخلال الرحلة اليومية على الأقدام كنت أتصفح علامات الطريق التي حفظتها، وأطالع النوافذ الزجاجية و(فتارين) العرض للمحلات المختلفة، أو أتأمل الجالسين على أرصفة المقاهي، أو يشدني الفضول الى الباعة الذين يضعون بضاعتهم على الأرصفة، أو على عربات يد صغيرة، وذات يوم شدتني عربة يد صغيرة، مصفوف عليها الكثير من الكتب المتعددة الأحجام والألوان. وتوقفت عند العربة ذات صباح، وألقيت نظرات فضولية عجلى، فوجدت روايات لكل من عبدالحميد جودة السحار ويوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ وغيرهم. وكانت أغلب الكتب على العربة روايات مرتجعة لسلاسل من طراز (الكتاب الفضي) و(الكتاب الذهبي) و(كتابي) وغيرها. ولم أستطع الوقوف طويلا في هذا الصباح الباكر، فقد كان علي أن أسرع الخطى الى المدرسة البعيدة، وبالفعل مضيت في طريقي، ووصلت الى مدرستي في الموعد، ودخلت الفصل لأتلقى دروس اليوم مع زملائي، لكن ذهني ظل منشغلا بأغلفة الكتب التي شاهدتها على العربة، خصوصا أغلفة روايات يوسف السباعي الذي كان يطبعها طباعة فاخرة، وبأغلفة لم أر لها مثيلا في ذلك الوقت، ولم يكن يقترب من أناقة الطباعة الفاخرة لروايات يوسف السباعي سوى روايات إحسان عبدالقدوس التي كانت تجذب الناشرين لرواجها. ولا أذكر كيف انتهى اليوم الدراسي لذلك اليوم، كل ما أذكره أنني كنت أول الخارجين من المدرسة تقريبا، وأنني اندفعت مع زملائي الذين تعودوا الجري لحظة الخروج من المدرسة، ولم أرهم يجرون قط وهم في طريقهم الى دخولها إلا إذا تأخروا عن موعد الجرس الشهير. وسرعان ما وجدتني أمام العربة التي لفتت نظري في الصباح، ووقفت لاهثا أتطلع الى الكتب، وأتعرف الأسماء الكثيرة المكتوبة على الأغلفة التي كنت أراها للمرة الأولى. وبعد وقت طويل من التطلع استمعت الى صوت يسألني: هيه، هل تريد الفرجة فقط؟ أم تريد التأجير؟ أم تريد الشراء؟ وتطلعت الى مصدر الصوت فوجدت شيخا باسم الوجه، تستغرق النظر في ملامحه الطيبة ونبرات صوته الحاني. ولم أعرف كيف أجيب عن السؤال، فلم يكن في رأسي الى لحظة سؤاله سوى فضول التطلع الى الأغلفة ومعرفة أسماء الكتاب الذين لم أسمع عنهم. وعندما لم يجد الرجل الطيب في وجهي سوى الحيرة، قال لي: ولا يهمك، تفرج كما تشاء، وإذا أعجبك كتاب من هذه الكتب وأردت أن تقرأه فيمكن لك أن تستأجره للقراءة بنصف قرش صاغ بشرط أن تعيده خلال ثلاثة أيام، وإذا أردت أن تشتريه بعد ذلك فسأخصم المبلغ من الثمن المكتوب على الكتاب. وما كدت أستوعب كلمات الرجل الطيب حتى أشرت الى كتاب سميك الورق، متميز الحجم، غلافه براق، وكان رواية من روايات يوسف السباعي، وقلت: أريد أن أستأجر هذا الكتاب، ومددت يدي الى بنطالي وأخرجت منه نصف القرش الوحيد الذي كنت أمتلكه في هذه اللحظة، ودفعته الى الرجل الطيب الذي ابتسم لي ابتسامة حانية، وقال لي: يبدو أنك ستكون من زبائني. وأعطاني الكتاب، بعد أن كتب اسمي في دفتر قديم تمزقت أطراف أوراقه أو تآكلت. وقال لي: أحرص على أن ترجع الكتاب بعد ثلاثة أيام، أو حتى بعد أربعة أيام، ولا تزد على ذلك حتى يفرح بك عمك كامل. عرفت ساعتها أن الرجل اسمه عم كامل. ولم أفكر في الاسم كثيرا، فقد اختطفت الكتاب من يدي الرجل، ومضيت مسرعا الى منزلي، ولم أتناول طعامي أو أخلع عني ملابس المدرسة إلا بعد أن أتيت على الكتاب كله. ولا أذكر الآن عدد الساعات التي قضيتها في قراءة رواية يوسف السباعي، وكانت (بين الأطلال)، كل ما أذكره هو الأجواء الرومانتيكية التي عشت فيها، وحلقت خلالها مع البطل الذي ينتهي وحبيبته نهاية مأساوية فلم يبق من ذكراهما سوى تلك الكلمات التي تقول: بين الأطلال اذكريني، أو نجواه للشمس الغاربة التي أشهدها أن حبه خالد لا يموت. ولعلي قضيت الليل كله أحلم ببطلي (بين الأطلال) وأضع نفسي موضعهما، ولا أفارق أحلامي بهما إلا بعد يقظتي في اليوم التالي، واندفاعي في طريق المدرسة، بعد أن حصلت على مصروفي اليومي من أبي، وأنا أحمل معي الكتاب بيد محبة، ولا أتوقف عن السير السريع إلا أمام عربة العم كامل الذي حياني بابتسامة تكاد تقول: أنا أعرف كل ما ممرت به. وأعطيته الكتاب، وامتدت يدي الى كتاب آخر من مجلدين ليوسف السباعي، وكان (نادية) فيما أذكر. وقال العم كامل: ما دمت تقرأ بسرعة وترد الكتب بسرعة فسأجعلك تقرأ الجزئين بسعر جزء واحد. ومضت الأيام، لا أذهب الى مدرستي إلا بعد المرور على العم كامل، ولا أعود منها في طريقي الى المنزل إلا بعد المرور على العم كامل. وأخذ الرجل يتعود عليّ ويهش لرؤيتي كأنني أحد أولاده. وانتقلت من مرحلة التأجير الى مرحلة الشراء، فقد أدركت في هذا العام (أظنه عام 1957) أنه من السخف اضاعة الكتاب الجيد، وأن الرواية المتميزة لا تقرأ مرة واحدة، وإنما تقرأ مرات ومرات، وأنها لابد أن تقتنى للعودة اليها على سبيل تكرار الاستمتاع بها، بل لاكتشاف عوالم جديدة لا تتكشف إلا مع كل قراءة. وكانت أسعار الكتب زهيدة، الرواية المرتجعة من (الكتاب الذهبي) أو (الفضي) أو حتى مطبوعات (كتابي) بقروش قليلة معدودة، لعلها ثلاثة قروش، لا تزيد إلا في حالات مطبوعات (كتابي) المتميزة. ولم تتجاوز الأسعار خمسة قروش إلا في حالات الطبعات الخاصة ليوسف السباعي واحسان عبدالقدوس. وكان العم كامل سمحا في التعامل، يقبل (الشكك) من أمثالي الذين أصبحوا زبائن له. وكنت دائما مدينا له لأن عربته كانت تحوي دائما كتبا جديدة مغرية ومغوية. وما أكثر المرات التي كنت أقمع نفسي حتى لا تثقلني ديون عم كامل، وما أكثر الحيل التي استخدمتها لاقناع أبي - عليه رحمة الله - لزيادة مصروفي اليومي، بل ما أكثر المرات التي كنت أحلم فيها بأن تهبط عليّ ثروة لأشتري كل ما كان يملكه عم كامل من كتب. أذكر أنني بفضل عربة العم كامل التهمت كل ما وجدته عليها من أعمال يوسف السباعي التي كانت سهلة الهضم، مسلية، وبعدها التهمت ما وجدته من أعمال إحسان عبدالقدوس الذي كانت كتاباته تداعب خيال المراهق المحروم جنسيا في داخلي، وآه من النقاط الكثيرة التي كان إحسان يضعها عندما تتوتر المشاهد الجنسية، ويثير المخيلة بالنقاط الطباعية التي تنطق غير المنطوق من الكلام غير المباح. وبعد أن فرغت من إحسان التهمت عبدالحميد جودة السحار، وأحببت على نحو خاص (الشارع الجديد) و(في قافلة الزمان) وغيرها من رواياته التي لم تفتني واحدة منها، ومع السحار اكتشفت عبدالحليم عبدالله بأعمال الرومانتيكية التي أذكر منها (شجرة اللبلاب) وأضيف الى ذلك أمين يوسف غراب وعلي أحمد باكثير وعشرات غيرهم. الغريب أنني لم أعرف نجيب محفوظ إلا بعد أن انتصفت السنة الدراسية الأولى في مرحلتي الثانوية. ربما كان السبب أن رواياته لم تكن تتحول الى مرتجعات بسرعة، أو أن قراءه ما كانوا يتخلصون من رواياته لتعلقهم بها. ولهذا ما كنت أجدها كثيرة على عربة عم كامل. ولعلي ما كنت ألتفت اليها في نهمي الجشع الى قراءة الروايات ذات الأغلفة البراقة. ولكن ذات يوم أعطاني العم كامل كتاب (زقاق المدق) لأقرأه ثم أعيده. وكانت نسخة مجلدة من نسخ التأجير، فقد كان العم كامل يحرص على تجليد الكتب التي تتداولها الأيدي كثيرا، وقال لي العم كامل: إقرأ هذه الرواية ثم أخبرني برأيك. وكان ذلك أول تعرفي على نجيب محفوظ الذي لم أترك له عملا يصدر دون أن أقتنيه منذ ذلك اليوم، فقد وجدت في أعماله ما لم أجده في أعمال يوسف السباعي أو السحار أو إحسان أو غراب أو عبدالحليم عبدالله وأمثالهم، فتح لي نجيب محفوظ عوالم وآفاق لا أزال اكتشفها منذ ذلك اليوم. وكان الفضل في ذلك للعم كامل الذي عدت اليه بعد أن قرأت (زقاق المدق) على أن أشتريها. وقد باع لي الرجل الطيب النسخة التي كان يدخرها للتأجير كي يرضيني، ووعدني أنه سيحجز لي كل ما يصله من روايات نجيب محفوظ التي تصل اليه. الغريب أنني طوال السنوات الثلاث التي عرفت فيها العم كامل لم أعرف بقية اسمه، وهل كان ذلك يهم في ذلك الوقت؟ لكنني لم أفلت من ذاكرتي ملامح وجهه الطيب، ولا هدوءه، ولا شعر ذقنه، الذي كان ينبت أبيض اللون في وجهه السمح، ولا جلبابه الذي كان أزرق اللون في الأغلب. وحتى اذا نسيت فإن بعض الكتب التي اقتنيتها من عربته، واحتفظ بها الى اليوم، لا تزال تذكرني به، بل إن صداقاتي التي عقدتها مع مهاويس القراءة من أمثالي الذين أدركتهم حرفة الأدب لا تزال تذكرني به. ولا أزال الى اليوم أحتفظ بمكان عزيز في قلبي أخصصه لبعض أقران الصبا الذين قابلتهم للمرة الأولى حول عربة العم كامل، ونسج خيوط الصداقة بيننا الملاحظات التي كنا نتبادلها حول الكتب التي نراها، الملاحظات التي سرعان ما أصبحت حوارا متصلا الى اليوم.