جاءني صوته عبر الهاتف مشحونا بالأسى وكأنه ينعي عزيزا تجرح نبراته الشكوى وتقطر منها المرارة، معاتبا على الصمت المريب او الكلام المرسل بلا مردود واقعي، تجاه ما يعانيه اخواننا العرب والمسلمون في النصف الشمالي من الكرة الارضية، لدرجة باتت معها الاسماء العربية والملامح العربية والحروف العربية حوافز للاشتباه، ومدعاة للتحريض على الاحتجاز والاستجواب، والحرمان من السفر على متن الطائرات، وربما تجعل حاملها عرضة لمداهمة غرفته في اي فندق، لمن يبحثون عن ارهابيين «نائمين» تلك الصفة التي اخترعتها اجهزة الامن والاعلام الغربي، بعد هجمات 11 سبتمبر الارهابية على نيويورك وواشنطن. قال لي: لم يشفع لنا كعرب ومسلمين، هاجروا من اوطانهم، واستوطنوا الغرب والولايات المتحدة، ما قدمناه من جهود وما اسهمنا به في دفع عجلة الحضارة والحداثة الغربية، ولم يشفع لنا اننا قدمنا عصارة عقولنا وعمرنا ثمنا لرهان حضاري، على انجاح مسيرة الحوار الحضاري وتلاقح قيم وأفكار الحضارات من اجل تعاون عربي اسلامي مع الغرب، استمرارا للميراث الثالث الذي تمثله حضارتنا العربية الاسلامية، وما جسدته من قيم الانفتاح والتسامح واتساع الرؤية لتشمل الانسانية كلها، دون نفي او تهميش لعرق او جنس او دين، فإذا بنا نفاجأ عند اول امتحان لقيم الغرب الليبرالية، انها مجرد قشرة تخفي ثمرة معطوبة، ينخر فيها التعصب المسبق والاتهام المرسل للآخر دون سند او دليل، وأصبحنا نحن ابناء الجاليات العربية والاسلامية في الغرب، تجمعات يحوم فوقها الاشتباه وتلاحقها تهمة الارهاب، لحين اثبات العكس. قلت له: لكن ما تنقله لنا وسائل الاعلام، يبعث على الاطمئنان، فكل قيادات الغرب بداية من الرئيس الامريكي جورج بوش وانتهاء برئيس الوزراء الايطالي برلسكوني قدموا التوضيحات والاعتذارات عن حملة التحريض المريبة ضد العرب والمسلمين، واستقبلوا رموز الجاليات وزاروا مراكز ومعاهد اسلامية وعربية، وزاد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بكتابة المقالات التي تظهر وتؤكد احترامه للاسلام وللحضارة العربية وتندد بموجة الكراهية المتفشية ضدهما في الغرب. رد، ونفاد صبره باديا في لهجته: هذه حملة علاقات عامة، لها علاقة بأهداف سياسية لا تخفى على احد، لكن الحقيقة لا تخطئها عين مراقب، ونكتوي نحن بنيرانها في الغربة او المهجر الذي اخترناه كقدر لا فكاك منه، فكل يوم تقع اعتداءات على اخوان لنا، والمناخ السائد مسمم باتهامات او قل اشتباهات مسبقة مطلوب منا تقديم أدلة براءة منها، بحيث اصبحت حياتنا اليومية اشبه بسيناريو بوليسي لا نهاية له. قلت له: لكن اين دور المؤسسات العربية والاسلامية وجهودها لتبديد هذه الصورة المغلوطة، أليس في هذه المحنة، فرصة لاظهار قدرتها على التأثير في الرأي العام السائد وتقديم الصورة الصحيحة عن العرب والمسلمين. قال: يبدو ان الكلام سهل، لكن العمل صعب بل مستحيل، فالهجمة عاتية، وآلة الاعلام الفضائي تبدد ببث صورة واحدة وتعليق من سطر واحد جهود سنين، والأجواء مهيأة لكل معاد لنا، بأن يبث سمومه ويعيد احياء ميراثه المضاد لنا، ولا يخفى عليكم القدرة المهولة لـ «اللوبي الصهيوني»، في حين تغيب عن الجهود العربية آلية العمل المؤسسي المدعوم من هيئات نظامنا الاسلامي العربي مثل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي. انتهى كلام زميلنا المغترب، وتذكرت ما توصل اليه احد الباحثين العرب المقيمين في الولايات المتحدة الامريكية من رصد لأدوات ووسائل تشويه صورة العربي في الاعلام التلفزيوني والسينمائي الامريكي منذ عشرين عاما. فلقد رصد جاك شاهين في كتابه المهم «عرب التلفزيون» صورا نمطية يتبناها الاعلام الامريكي للعربي، تقدمه في صورة ساذجة معادية للحداثة والحضارة، وتلصق به كل ما يستهجنه الامريكي العادي، بحيث يصبح ممكنا لأي دعاية عنصرية ان تنال من العربي وتضعه دائما في قفص الاتهام عندما يلزم الامر. وقد آن الأوان لأن تتحرك المؤسسات العربية ولو لمرة بشكل منهجي مدروس وتبدأ التوجه للرأي العام الامريكي والغربي بنفس أدواته وبلغته، حتى تحطم «قفص الاتهام» الذي صنعه لنا «اللوبي الصهيوني».