قبل يوم واحد من وصول الرئيس عرفات الى لندن لعقد اجتماع «تاريخي» مع رئيس الحكومة البريطانية توني بلير، استأنفت اسرائيل منهج اغتيال الناشطين الفلسطينيين فقتلت احد ابرز عناصر «حماس» وفي يوم وصول الزعيم الفلسطيني جرى اغتيال عنصر ثان، فماذا يأمل ان يحقق عرفات من دبلوماسيته التصالحية مع الادارة الامريكية عن طريق الحكومة البريطانية؟ لنعد الى الاذهاب اولا ان منطلق النهج الدبلوماسي الفلسطيني الجديد هو فيما يبدو ان القيادة الفلسطينية قررت الاخذ بخيار الانضمام الى الحملة العالمية لمكافحة الارهاب بقيادة الولايات المتحدة وفق حسابات تقديرية معينة، محورها معادلة: في مقابل التأييد الفلسطيني للحرب الامريكية ضد طالبان و« القاعدة» وابن لادن، تتولى واشنطن ممارسة ضغوط على اسرائيل لحملها على تقديم تنازلات جوهرية للفلسطينيين، في اطار عملية تفاوضية جديدة تتجرد فيها الادارة الامريكية عن التحيز التقليدي الامريكي للطرف الاسرائيلي، هذا هو على الاقل ما فهمه الطرف الفلسطيني من خلال سلسلة من الاتصالات المباشرة وغير المباشرة مع واشنطن بعد احداث «الثلاثاء الاسود» 11 سبتمبر. لكن هل تمضي الامور عمليا على هذا النحو؟ وهل ما يراود القيادة الفلسطينية هو فعلا حسابات موضوعية مستمدة من الواقع ام انه مجرد «آمال»؟. ان المشكلة هي ان الاجندة الامريكية لمكافحة الارهاب العالمي غير محدودة، سواء من حيث اعتبارات المكان او اعتبارات الزمان، فالحرب الامريكية الدائرة حاليا ضد افغانستان قد يتوسع نطاقها لتشمل اماكن اخرى في اوقات اخرى. لكن اذا تفحصنا البيانات والتصريحات والتسريبات الصادرة يوميا عن مسئولي الادارة الامريكية منذ انطلاقة الحملة الراهنة، سنكتشف ان بوسعنا رسم خط عام، اذ يبدأ من افغانستان وينتهي، عبورا بالعراق وربما سوريا، الى فلسطين، وتحديدا الفصائل الفلسطينية المشاركة ميدانيا في المقاومة الشعبية المسلحة ضد الاحتلال الاسرائيلي: «حماس» و «الجهاد» و «الشعبية» و«الديمقراطية» . بناء على ما تقدم فان القيادة الفلسطينية قد تكتشف لاحقا وبعد فوات الاوان ان الحملة الامريكية لضرب طالبان وابن لادن في افغانستان باسم مكافحة الارهاب قد تنتهي، في آخر حلقاتها الى تحالف امريكي اسرائيلي لتصفية فصائل الانتفاضة الفلسطينية دمويا .. وايضا تحت نفس العنوان: مكافحة الارهاب، ولم لا، وهذه الفصائل كلها مسجله على «قائمة الارهاب» الامريكية؟! هذا بالضبط ما يقصده جورج بوش وتوني بلير عندما يتحدثان الآن عن «التهدئة» و «وقف العنف» و «كبح جماح العناصر الراديكالية». وليس من العسير استنباط الهدف الامريكي البريطاني البعيد .. نعم .. واشنطن ولندن ربما تعتزمان فعلا «احياء» العملية التفاوضية بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي وربما تريدان فعلا ان تثمر المفاوضات المستقبلية عن تسوية تتضمن قيام «دولة فلسطينية». لكنهما تريدان ايضا ان يأتي الجانب الفلسطيني الى طاولة المفاوضات وقد تجرد من اي اوراق ضغط قوية، فاذا كانت المقاومة الوطنية المسلحة تمثل الورقة الاقوى والوحيدة لدى الجانب الفلسطيني، فانه سوف يدخل المعركة التفاوضية وقد تجرد من هذه الورقة اذا وافق الآن مقدما على «وقف العنف». ومع ذلك لن يتوقف الاسرائيليون في هذه الاثناء عن مواصلة نهج القمع والاغتيالات. ولن نرى واشنطن او لندن تتخذان اجراءا حازما ضد ارييل شارون كعقاب له لخرق اتفاق «وقف اطلاق النار». وليت القيادة الفلسطينية تراجع حساباتها قبل المزيد من التورط مع بوش ومدير علاقاته العامة بلير في مخاطرة قد تكون ذات عواقب خطيرة على مستقبل حركة النضال الوطني الفلسطيني.