المعالجات الإعلامية للقضايا محل الإهتمام، بين العالمين الحضاريين العربي الإسلامي من جهة والأوروبي الغربي من جهة أخرى، لا تنفصل عن الصور النمطية (القومية ) المتبادلة بينهما، ويشير مفهوم الصورة القومية في هذا السياق إلى كيفية تصور أو رؤية شعب لسمات شعب آخر.. حيث تبرز نقاط الضعف والقوة لدى الشعب (الجماعات الإنسانية) موضع التصور، وبشئ من الدقة، يظهر في هذه الكيفية ما يتم الاعتقاد في وجوده لدى الآخرين. وتحوي الصور المتبادلة في ملامحها التفصيلية، الأفكار والمعتقدات والأعراف والعواطف والإنفعالات والأساطير والحكايات، التي يحملها شعب ما عن شعب آخر ويترجمها هذا الشعب في مواقفه وسلوكه وتقييماته لهذا (الآخر). ولا يقدح في صحة هذا التعريف، أن هذه الملامح تتصل غالبا بعدد بالغ الوفرة من الناس، بما يفترض معه تعميم مالا ينبغي تعميمه إذ كيف يجري الحكم على أمة أو أمم تضم مئات الملايين لمجرد ملاحظة بضعة أفراد أو جماعات من هذه الأمة أو الأمم ؟! لكن الواقع أثبت إنتقال الصور النمطية القومية فعلا بالعدوى من الفرد الواحد إلى المجموع . وعلى الرغم مما إنتهت إليه البحوث المختصة من أن التاريخ الإجتماعي والإقتصادي والثقافي لكل قطر عربي، ناهيك عن أقطار العالم الإسلامي، من شأنه إحداث تمايز نسبي واسع في ملامح الشخصية القومية (الوطنية) بين العرب على الرغم من ذلك إلا أن المعالجة الإعلامية الغربية لما يخص العرب والمسلمين لا تتوقف عند هذه القناعة العلمية. نمطية متجذرة أكثر من ذلك مدعاة للإستهجان أن وسائط الإعلام الغربية الأوروبية منها والأمريكية بخاصة، المقروءة والمسموعة والمرئية والإلكترونية، لا يعنيها التمييز الواجب بين المراحل التاريخية المختلفة، التي يفترض أن تترك تغييرات جوهرية على التصورات والإنطباعات المسبقة حول العرب والمسلمين. ومؤدى ذلك، أن هذه الوسائط لا تتأثر في تناولها للقضايا العربية والإسلامية ـ التي تعني الرأي العام الذي تخاطبه ـ بالأماكن والأزمنة، المتغيرة بطبيعتها .ولهذا لا يعز أن نجد طروحات في هذه الوسائط تلقي على عرب المشرق ما تصف به عرب المغرب، أو تسم عربيا أومسلما يقيم في نيويورك بما تتصوره من سمات حول مسلمي الهند! كما لا يندر أيضا العثور على تحليلات إخبارية أو معلوماتية صادرة عن جبهة إعلامية غربية معاصرة، تكرر حول العرب والمسلمين ـ هكذا بالجملة ـ بعض مقولات أو إنطباعات ذكرها رحالة أوروبي قبل عشرة قرون: ولعل في هذه الملاحظة ما يفسر هجوم المقولات السلبية الذي شنته أبواق الإعلام الغربي، إلا قليلا، ضد العرب والمسلمين غداة الثلاثاء الأشهر في الولايات المتحدة، وهو تعميم لم يسلم من التأثر به رجل دولة بحجم رئيس وزراء إيطاليا (بيرلوسكوني) حين نزع من الحضارة العربية الإسلامية صفات التقدم ونسبها بإستعلاء إلى عالم الغرب المسيحي . الشئ الذي نقع على أصوله في كتابات المبشرين بالإستعمار الغربي ورسالة الرجل الأبيض قبل مئات السنين .الإعلام الغربي إذن في نزعته الهجومية العاطفة على تكوين مدركات منحرفة مشبوبة بالعدائية تجاه العرب والمسلمين لا ينطلق من حاجات لحظية عاجلة . بل إن لهذه النزعة جذورا غائرة في العقل الجمعي لعالم الغرب، هي التي تعرف بالصورة العربية الإسلامية داخل هذا العقل . نقول ذلك وفي الذهن أن لهذه القاعدة استثناءات، لكنها تبقي أولا محدودة، وهي ثانيا ليست بقادرة على قلب معادلة الصورة من الضد إلى الضد. ثم إنها ثالثا لا تظهر ـ أي هذه الاستثناءات ـ في لحظات الأزمات سوى كومضات إعتذارية ولأغراض دبلوماسية أو سياسية فليس من المصلحة الغربية في بعض الأوقات ـ كما هو الحال بعد أزمة الثلاثاء الدامي الآن ـ أن يبدو الأمر وكأنه مواجهة بين شرق عربي إسلامي مقابل غرب مسيحي ولهذا اعتبرت تصريحات بيرلوسكوني الاعترافية بفجاجة نوعا من الحمق السياسي . ولكن، من أين تستقي الصور النمطية السلبية حول العرب والمسلمين مصادرها عند الغرب ؟ إن الرأي العام لديه إستعداد وجهوزية لإستقبال الرسائل الإعلامية المغرضة، وكل ما تفعله هذه الرئاسة، إنها تنكأ هذا الاستعداد وتستحضر ما في الذهن الغربي من مخزون الصور السفيهة التي جري تكوينها على إمتداد مراحل تاريخية تراكمت عبرها التفاعلات بين الحضارتين .. فما هي المدخلات التي ساهمت في تكوين هذا المخزون ؟ هناك أولا، اللقاءات الغربية بالعرب والمسلمين منذ بداية التاريخ الإسلامي في القرن السابع الميلادي، والتي تمت من خلال المواجهة والصراع بأكثر مما عرفت من حوار وتصافي .وقد تنوعت الخبرات الناجمة عن هذه اللقاءات فبين القرنين السابع والعاشر . كان العالم العربي الإسلامي مبعث خوف ورهبة لأوروبا وساعد الرهبان والبابوات على توسيع الهوة بين الطرفين وكانت الأديرة بمثابة وزارات إعلام ودعاية ضد العرب والمسلمين. وفي مرحلة حروب الفرنجة الصليبية، ترك الغرب أسوأ الذكريات لدى العرب والمسلمين وكانت تلك الحروب بمثابة ضرب من ضروب الثأر والتشفي ضد هؤلاء الآخرين. وتبع هذه المرحلة محاولة الفتح التركي الإسلامي لأوروبا من الشرق، التي واكبت تقريبا التراجع العربي الإسلامي في الأندلس. وأدى هذا الإزدواج، التقدم والهجوم من جانب والتراجع من جانب، إلى تعقيد المنظور الغربي للعرب والمسلمين كما زادت لدى الغرب حدة الربط بين ما هو عربي وما هو مسلم . تشويه متعمد على مدار هذه الحقب، تبنى الغرب الأوروبي ـ ووريثه الأمريكي أيضا لاحقا ـ نظرة تصور العربي والمسلم كمتعصب، متعطش للدماء، محب للسيطرة، قاسي، يتمرغ في الشهوات . وقد أسست حملة بونابرت على مصر والشرق العربي لمرحلة ممتدة أخرى، سمتها الأساسية الإستعمار الغربي لمعظم العالم العربي، والإسلامي تقريبا من ناحية، ثم حرب التحرير العربية الإسلامية من ناحية أخرى وفيها خلع الغرب كل أوصاف الضعة على العرب والمسلمين وصور ذاته كداعية للحضارة مقابل هؤلاء غير المتحضرين.وفي هذه المرحلة الأخيرة، برزت الصهيونية بكل أنماطها، لاسيما السياسي منها، التي تضافرت في عقد فكري وسياسي مع الغرب، الذي أعطاها حمايته واقتطع لها فلسطين العربية الإسلامية مستعمرة إستيطانية . الصهيونية هذه بشقيها اليهودي وغير اليهودي، شكلت المدخل الرئيسي الثاني في تكوين الصورة العربية والإسلامية في عالم الغرب . لقد مارست هذه الأيديولوجية على مستوى الفكر، ثم على مستوى الحركة، بعد إعلان الدولة اليهودية، الوسيط الأول غير النزية بين العرب والمسلمين وبين الغرب، وعلى قدر الاضطهاد الغربي لليهود، مارس اليهود الصهاينة إضطهادهم للعرب والمسلمين أينما تمكنوا، وسعوا لحجب أي مفهوم إيجابي عن المنظور الغربي تجاههم . ولأن الصهيونية لم تكن غريبة عن عالم الغرب بمثله ومفاهيمه الاستعلائية، ولأنها استحوذت على مفاتيح تكوين الرأي العام عبر سيطرتها المذهلة على وسائط الإعلام والدعاية وصناعة المدركات، التقليدية منها والعصرية، فقد كانت مهمتها تكريس الصور النمطية السلبية حول العرب والمسلمين مهمة سهلة وميسورة. ومن المثير أن الغرب وضع بين يدي القوى الصهيونية والمتصهينه، مزايا مكنتها من تشكيل الصور المراد تكوينها حول العرب والمسلمين بلا معقب، ومن ذلك إيكال كتابة التاريخ العربي والإسلامي في المدارس للناشئة، إلى كتاب صهاينة أو يهود، كما إستند الغرب عموما في تفهمه لهذا التاريخ من جوانبه الأدبية والسياسية والسلوكية .. الخ إلى مؤرخين استقوا موادهم من المنظورات التوراتية والتي لا تخلو من أبعاد أسطورية. الإعلام الغربي يتغذى في تناوله لقضايا العرب والمسلمين على هذه المصادر، وهو في الوقت عينه يساعد على إعادة إنتاجها مجددا فكيف يمكن كسر هذه الدائرة اللعينة؟ هناك بالفعل محاولات على هذا الصعيد يضطلع بها منصفون غربيون من رجال الفكر أو الساسة والاعلاميين غير إنهم قلة يجري طمس أعمالهم، ويتعرض بعضهم لحملات من التشويه والوصف السمج باللاسامية، لكن ما هو أكثر مدعاة للأسى أن هذه المحاولات النبيلة التي تستهدف فك أسر الصورة العربية الإسلامية من براثن المخيال الغربي المريض، والمحاصرة بالصهيونية الاعلامية، لا تلقي الدعم الكافي عربيا وإسلاميا . إن الاهتمام الذي تلقاه هذه الشريحة عادة ما يكون موسميا وبلا متابعة ممتدة أو دؤوبة.ولا يساعد على تصحيح الصورة العربية والإسلامية كذلك العجز السياسي والاقتصادي والعسكري، الذي تنوء تحته شعوب العرب والمسلمين. الأمر الذي يشعر الغرب بالاستقواء على هذه الشعوب، ويجعل الاعلام الغربي في حالة إطمئنان من العقاب، حين يبادر بالتهجم والتهكم على شعوب ذات حضارة عريقة، سبق لها أن دلت البشرية على معالم المدنية. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة