خلال زمن قياسي لا يتجاوز الشهر انتقل العالم بأسره من ضفة الى اخرى، لكنها الضفة الأكثر ضبابية وقلقاً وتوتراً، واذا كان الجميع يتحدث ويتساءل عن جدوى ضرب أفغانستان البلد المغموس منذ زمان طويل في الازمات والصراعات والدمار، فإننا جميعا نلمس ان هذه الحرب التي تذكر بحرب البسوس في التاريخ العربي القديم، قد توزعت شظاياها وجراثيمها هنا وهناك والكل ينتظر النهاية بفارغ الصبر. ان اول ضحايا الحرب ـ بعيداً عن طالبان ـ هم أطفال افغانستان المهددون بالموت حسب تحذيرات منظمة اليونيسيف الدولية التي حذرت حتى قبل الحرب من حدوث كارثة انسانية ستزهق فيها وبشكل مؤكد أرواح اكثر من 100 ألف طفل أفغاني مع اقتراب موسم شتاء أفغانستان القاسي، وفي ظل الجفاف ونقص المياه وأطنان القنابل اليومية! اما باكستان فإنها وبرغم لغة التهديد والوعيد التي اطلقها رجل باكستان الأول باعتباره رجل الجيش والدولة القوي (الرئيس مشرف) فإن فوضى الشارع الغاضب لن تمر بسلام على معادلة الحكم والاستقرار في هذا البلد وان مشهد المظاهرات الحاشدة، ومواقف احزاب المعارضة تدفع الى الأمام باتجاه فوضى سياسية عارمة لا يحتملها هذا البلد ابداً في ظل الوضع الراهن، خاصة وان جبهة اخرى قد فتحت في اقصى الشرق حيث جبهة كشمير الملتهبة مع الهند! ان دول المنطقة تجدف في واقع صعب للغاية وحساس جداً، وهي متأثرة بالتأكيد ووفق ما تعلنه احصائيات شركات الطيران واسواق التجارة والاسهم والفنادق، فإن تراجعاً ملموساً بدأ يقرأ وبعبارات واضحة، وان كانت هذه الدول تبذل قصارى جهدها للتغلب على هذه الاوضاع، لكن الاشكالية الكبرى ان عناصر المعادلة في الأزمة ليست في ايدينا وربما لم تعد في ايدي احد بعد ان اطلق العنان لقارعي طبول الحرب فصمت آذانهم واصابوا العالم كله بالصمم! وان يتأثر الانسان الذي يحث الخطا يومياً فوق جغرافية منطقة الشرق الاوسط الملتهبة جداً بكل ما يجري فذلك أمر طبيعي، وان يدفع الثمن فهذا دوره المعتاد في مسيرة الاحداث ودورة التاريخ منذ الأزل، وان يتحدث الناس عن شعورهم بالكآبة او الاحباط او الضيق فهذا من طبيعة ما يتفاعل هناك على مرمى حجر منا، فما يتساقط هناك قنابل واشعاعات ومخاطر وأسلحة ربما تجرب للمرة الاولى، وليس مرض الجمرة الخبيثة هو بدايات البلاء والمصائب بالتأكيد، فالحروب لا تخلف الدمار فقط، وانما الامراض والعاهات ايضاً!! يقول الكثيرون ـ وللأسف ـ بأن الغرب يكره الحرب وان الاوروبي تحديداً والامريكي قد ذاق ويلاتها ولا يريد ان يعيشها ثانية، اما العرب والمسلمون فإنهم لا يقدرون قيمة الحياة لأنهم لم يعرفوا ويلات الحروب العالمية ودمارها! فما رأي هؤلاء لو استعرضنا معهم هذه الارقام التي تقلب معادلة الارهاب رأساً على عقب وتضعنا على قائمة ضحايا الارهاب وليس العكس! انه وحتى بداية التسعينيات دفع الشعب الفلسطيني من ابنائه في صراعه مع الصهاينة: 261000 شهيد و186000 جريح و 161000 معاق واكثر من مليوني شخص تحولوا الى لاجئين في بلاد الشتات! اما لبنان فقد دفع ارضاء لنزعة سفك الدماء عند الصهاينة: 90000 شهيد، 115000 جريح و96270 معاقاً، اما مصر فلديها 39000 شهيد و73000 جريح و61000 معاق، وسوريا 30000 شهيد تقريباً. اذن فنحن نعرف قيمة الحياة، وقد ذقنا ويلات الارهاب والحروب وما زلنا.. لكن من ينصفنا ومن يصدق ان اسرائيل دولة ارهاب.. من ينصفنا طالما ان من يكتب التاريخ هو منطق القوة لا منطق الحق؟! Aisha@albayan.co.ae