ما علاقة اسامة بن لادن وطالبان وصواريخ كروز التي تنهمر على افغانستان بالاشتراكية والطبقة العاملة العالمية؟ على حين فجأة خرجت مظاهرات عملاقة قوامها عشرات الالوف من حيث لم يحتسب جورج بوش ورئيس الوزراء الايطالي سيلفيو بيرلسكوني. فقد خرجت المظاهرات بألوفها المؤلفة من الشباب الاوروبيين في كل من لندن وباريس وبرلين، لتردد اصداء مثيلاتها في القاهرة وكوالالمبور وكانو النيجيرية. وبينما كانت الشعارات الرئيسية لمظاهرات العواصم والمدن الاسلامية تتمحور حول نداء «الله اكبر» كتعبير عن وجدان التضامن الاسلامي مع شعب مسلم شقيق في افغانستان، كانت مظاهرات اوروبا المسيحية تنطق بشعارات مختلفة تستنهض «الطبقة العاملة العالمية» والاشتراكيين الاوروبيين للوقوف في وجه «الامبريالية الامريكية» للمطالبة بوقف الحرب ضد الشعب الافغاني. وهذا مغزى جديد تماما جدير بالتأمل. فقد دشن الرئيس الامريكي جورج بوش الحملة الامريكية ضد «الارهاب العالمي» تحت اسم «حملة صليبية» وما كاد كبار مساعديه يقدمون اعتذارا الى الامة الاسلامية (دون ان يعتذر الرئيس بنفسه) حتى صدرت عبارة اصرح عن رئيس الحكومة الايطالية (وهو كاثوليكي بينما بوش بروتستانتي) حيث قال ان قيم الحضارة المسيحية تتفوق على قيم الحضارة الاسلامية، ورغم ان بيرلسكوني قدم «شرحا» فيما بعد الا انه كرفيقه الامريكي لم يقدم اعتذارا. واذا كان قادة الغرب يوجهون حملة «مكافحة الارهاب العالمي» في اتجاه صدامي يضع المسيحية (في تحالف مع اليهودية والصهيونية العالمية) ضد الاسلام والامة الاسلامية مصحوبة ببيانات دعائية تفيد بغير ذلك، فان خروج الجموع الاوروبية في مظاهرات عارمة تجتاح لندن وباريس وبرلين تطالب بوقف الحرب الامريكية ضد شعب افغانستان المسلم، يقدم لنا صورة جديدة للوضع العالمي، فالرسالة الضمنية ترسم تناقضا بين شعوب اوروبا وقادة العرب. لقد تميزت مظاهرات العواصم الاوروبية بأنها لم تكن ذات طابع ديني، فقد كانت جماهير المتظاهرين تتكون من جماعات حقوق الانسان ونقابات واحزاب سياسية وتنظيمات طلابية. وبخروج هذه المنظمات للتعبير عن تضامن شعبي غربي مع احد شعوب العالم الثالث ضد قوة عظمى غربية تشن عليه حربا باسم «مكافحة الارهاب»، فاننا نكون بازاء «عولمة» جديدة او الوجه الآخر لظاهرة العولمة القائمة. الرسالة الاوروبية الضمنية هي اذن كما يلي: جماهير الطبقة العاملة في جميع انحاء العالم بصرف النظر عن العرق والعقيدة الدينية، تقف ضد الولايات المتحدة والطبقة الحاكمة الاوروبية باعتبارهما منظومة رأسمالية تمارس الاستغلال على شعوب العالم كافة بمختلف جنسياتهم. لقد تعددت وتنوعت الشعارات التي حملتها مظاهرات اوروبا ومن الامثلة مايلي: لا للحرب، نعم للسلام .. العدالة عوضا عن الحرب .. الخير ضد الشر لا للحرب. وكان ابرز شعارات مظاهرة لندن واقواها دلالة: «ايها الاشتراكيون اوقفوا الحرب الدامية». لقد افاقت شعوب اوروبا من تلك الصدمة الشاملة التي عمت الغرب في اعقاب تفجيرات نيويورك وواشنطن، بعد ان ادركت ان الولايات المتحدة تستغل هذه الفرصة لتوطيد الهيمنة الرأسمالية على العالم بأكمله .. تستوي في ذلك اوروبا مع افغانستان.