تجمعت لدي ثلاثة كتب عن افغانستان، اثنان منها بالعربية كتبهما صحافيان عربيان زارا افغانستان في غضون السنتين الماضيتين، بينما الكتاب الثالث هو كتاب اكاديمي موثق، كتبه شخص يحمل خلفية صحافية ايضاً، هو مايكل جريفنز، وتنبع اهمية هذا الكتاب الاخير من ان كاتبه لم يكن يعيش في افغانستان في زيارة خاطفة او حتى طويلة، ان اتاحت له الرؤية والمشاهدة، فربما لا تتيح له التعمق والمعايشة. ولكنه عاش هناك بصفته موظفاً في منظمة اليونسيف العالمية للعناية بالاطفال، وقد مكث هناك مدة ليست بالقصيرة، مما سمح له برؤية الاحداث وتحليلها وتتبع جذورها، فجاء كتابه على النهج العلمي بحثاً وتوثيقاً. اما الكتابان الاولان فقد كتب احدهما الكاتب المعروف فهمي هويدي، بينما كتب الثاني الصحافي عبدالحليم غزالي، وهو صحافي ابتعثته الى افغانستان جريدة «الخليج» الاماراتية، ومن ثم جاء الكتابان على الطريقة الصحافية سواء في المشاهدة، او النقل المباشر، او التعليق. الحدود المصطنعة يقول جريفنز ان افغانستان التي نعرفها هي بلاد وجدت نتيجة للصراع السياسي بين الروس والبريطانيين، وكان الهدف ان تكون عازلاً بين قوتين كبيرتين في القرن الثامن عشر، اذ كانت بريطانيا العظمى تتحكم في شبه القارة الهندية، بينما كانت الامبراطورية الروسية الشاسعة في الشمال تطمح الى التوسع بحيث تحقق امتداداً يضمن لها وجوداً او نفوذاً في المياه الدافئة، ومن ذلك الوقت اصبحت افغانستان مسرحاً دائماً لصراع القوى التي خلفت الامبراطوريتين القديمتين، حتى نهايات القرن الماضي، حيث احتدم صراع ضار حول افغانستان بين الاتحاد السوفييتي من ناحية، ووارثتي نفوذ الامبراطورية البريطانية: الهند وباكستان، من ناحية اخرى، وهو صراع تفاقم وتفجر في سبعينيات القرن المنصرم، فخاض الشعب الافغاني حروباً عدة (بالوكالة) كان مهيأ لها بسبب عوامل داخلية كانتشار الفقر وتفشي الامية في كل شرائح المجتمع الافغاني، مع الاخذ في الاعتبار ان هذا الشعب ينقسم الى عدد كبير من الاعراق والقبائل، وهو ما يوجد صعوبة في الانصهار اعاقت تحول السكان الى «شعب» بالمعنى المدني الحديث حتى الان. فلغات افغانستان ليست اقل من عشرين لغة محلية، كما يقول فهمي هويدي، واثنتان من هذه اللغات المتعددة هما فقط المعتمدتان، احداهما «الباشتو» وهي خليط من الاوردية والانجليزية والعربية، والاخرى «الداري» وهي مزيج من الفارسية والعربية. هذا «الخليط» الذي اشار اليه الكاتب يقودنا الى القول ان افغانستان دولة عازلة، وفي الوقت نفسه تحتوي على امتدادات سكانية في دول الجوار، وهو ما يسبب لها الوقوع في دائرة التدخل والصراع الدائمين. قبل اشهر قليلة من سقوطه في بداية التسعينيات، ادلى الجنرال محمد نجيب الله لصحافي غربي بتصريح نشر في جريدة «الهيرالدتريبيون» في الحادي عشر من شهر مارس 1992، قال فيه «لدينا مهمة مشتركة نحن الافغان والولايات المتحدة والعالم المتحضر بأن نشارك في حملة ضد التشدد، لانه اذا وصل المتشددون الى افغانستان فإن الحروب سوف تستمر لسنوات طويلة، وستتحول افغانستان الى مركز لتجارة المخدرات في العالم ولتصدير الارهاب الدولي». لم يكن نجيب الله يقرأ في كتاب مفتوح كما لم يكن يرجم بالغيب، حين توقع استمرار الحروب، وتحول افغانستان الى مركز للارهاب الدولي، ولكن رؤية الرجل تحققت، لانه كان يتحدث منطلقاً من خبرة وعلم بواقع البلاد. فقد استمر الصراع على السلطة بين المجاهدين الذين حاربوا الاتحاد السوفييتي، وتغيرت تحالفاتهم مراراً فيما بين التنظيمات السبعة او العشرة التي اختارها ضياء الحق حاكم باكستان المطلق وقتها، كي تحصل على الدعم الغربي والعالمي بهدف مقاومة السوفييت، وقد ساد عقول هذه التنظيمات الوهم بانهم حققوا الانتصار على الجيش السوفييتي، واجبروه على الانسحاب من بلادهم بسبب قوتهم الذاتية وثباتهم في المعارك فحسب، وليس ـ كما يقول الواقع ـ بمعاونة المجتمع الدولي ودعمه، ووقوف دول الجوار الى جانبهم ومساعدتها لهم بكل الاشكال مادياً ومعنوياً، وان كان لكل من هؤلاء مصلحته الخاصة، التي كان يرمي الى تحقيقها، وقد ساعد على تأجيج الصراع ان الافغان قوم يتصفون بالقبائلية الشرسة التي لا تسمح لفئة منهم بالانقياد لفئة اخرى، مهما كانت الظروف، حتى العامل الديني لم يفلح في إلانة بعضهم لبعض، فباتت الحروب والمعارك هي اللغة الرائجة على الساحة الافغانية، بل اصبحت وسيلة عيش وطريقة حياة. الاستقرار المفقود ومع استمرار الحرب والاضطراب بين حلفاء الامس، التنظيمات الاسلامية السبعة الرئيسية، وجدت باكستان انها لابد ان تضع حلاً لهذا الاضطراب المزمن المستمر في الاشتعال على حدودها الشمالية، وهي تعرف انه اذا ظل هذا الاضطراب على وتيرته فسوف يؤثر بالتأكيد في استقرار باكستان نفسها، فأوجدت حركة «طالبان» التي يتحدث عنها فهمي هويدي بالاشارة التالية: «حين يقول واحد مثل الجنرال حميد جول الرئيس الاسبق للاستخبارات الباكستانية، ان سياسة بلاده في افغانستان تديرها المخابرات الامريكية، وان حركة طالبان زرعت زرعاً في افغانستان، فإن شهادة من هذا القبيل لا يمكن تجاهلها، بل وينبغي ان تؤخذ مأخذ الجد». وقد جاءت طالبان متسلحة بفهم متشدد للعقيدة وصرامة اشد في تطبيقها، علها بذلك تحقق شيئاً من الاستقرار الذي بدا ـ زمناً طويلاً ـ بعيد المنال! جل المنتمين الى حركة طالبان من ابناء الريف الافغاني، هم دون استثناء ـ وكل قياداتهم كذلك ـ قد انتقلوا من المدرسة في القرية الى ميدان الحرب مباشرة، ثم انتقلوا من ميدان الحرب الى مقاعد السلطة، كما يلاحظ هويدي. وهم ينظرون الى العالم من حولهم، وكذلك الى القضايا الماثلة امامهم سواء السياسية منها او الاقتصادية من خلال الثقب الضيق الذي اتاحته لهم تجربتهم المحدودة والمعزولة في وقت معاً. بل ان فهمهم حتى للأمور الاجتماعية والثقافية تسوده النظرة الاحادية المتطرفة التي تتوهم في نفسها القدرة علتى الالمام بالحقائق واحتكارها من دون الاخرين، مما يدفعهم الى الاعتقاد بانهم على صواب دائماً بينما يقف غيرهم في خانة الخطأ ـ وما تحريمهم للمسرح والسينما والموسيقى (التي يرونها مزماراً للشيطان)، وكذلك اقعادهم للمرأة في قعر بيتها، بل ومنعهم حتى التصوير الضوئي، وهدمهم للتماثيل، كل ذلك ما هو الا امثلة قليلة لهذا التشدد والجمود ومحدودية النظرة الى الدين والدنيا معاً، وهو ما لاحظه فهمي هويدي ايضاً. يقول فهمي هويدي معلقاً على ما رآه: «ان المرء يصاب بدهشة، حين يجد ان حركة طالبان منعت التصوير والموسيقى بدعوى انهما من المنكرات المحرمة شرعاً، بينما اباحت الافيون، ولم تر اي وجه لتحريمه»، لكن التفسير الذي اعتمدوا عليه في اباحة زراعة الافيون يلفت النظر، بل يثير العجب ايضاً، حيث يتذرعون بأن هناك «احد عشر دواء تعتمد في تصنيعها على الافيون»! بذور الشر يمضي هويدي قائلاً: «بعد زيارة افغانستان وتجوالي فيها، ألخص (تجربتي) بأنني لم اجد جاذبية في النموذج الذي يقدمونه (طالبان)، وعندي ألف تحفظ وتحفظ على ممارستهم وافكارهم». ربما يكون عبدالحليم غزالي واحداً من الصحافيين القلائل الذين اتيحت لهم مقابلة الملا عمر زعيم «طالبان». ويصف غزالي هذه المقابلة بأنها تمت بعد تفتيشه ذاتياً «في غرفة ضوؤها يكاد يكون غبشاً، لمحت عينه اليمنى الفقيدة وطوله الفارع»، اما عن مصطلحاته فقد كان يتحدث عن الفتوحات (في داخل افغانستان!) التي كانت تكسبها الحركة آنذاك (1998)، وكأنها فتوحات تمت لأرض لم يسبق لأهلها شهادة ان لا اله الا الله! ويعلق غزالي بأنه تعين عليه الا يسأل غير الاسئلة المتفق عليها في الفترة القصيرة المخصصة له، كما يعلق على وضع «امير المؤمنين» بأنه «لم يخلع على الرجل اي منصب سياسي رسمي، وهو ليس رئيس الدولة وليس بملك وليس رئيساً للحكومة، انما هو حاكم فوق اي نظام مدني، حاكم ذو شرعية دينية في الاساس». طبيعي الا تعترف حركة طالبان بمفردات مدنية حديثة، مثل الديمقراطية والتعددية، فالرأي هو للعلماء فقط، لانه لا يتساوى العالم مع الجاهل والواعي مع الخامل. وبالرغم من ذلك فرأي هؤلاء العلماء معلم فحسب لامير المؤمنين، وليس ملزماً! بعد ان حققت جميع الاطراف مصالحها على الاراضي الافغانية، تركوها جميعاً ـ سواء الاصدقاء القدامى او الجدد ـ تغوص في مشكلاتها وحدها (!)، وقد ظن الجميع ان الشرور التي القيت بذورها في افغانستان المنكوبة لن تخرج عن حدودها، بل ستظل حبيسة مساحتها الجغرافية، كما ظنوا ان الاقتتال الافغاني ـ الافغاني سوف تظل اثاره بمنأى عن الاطراف القريبة والبعيدة.. لكن العالم انتبه اخيراً، وربما بعد فوات الاوان، الى ان بذور الشر التي دفنت تحت رمال هذه البلاد البائسة، قد بدأت تخرج ثمارها المميتة. ولا شك في ان العالم سوف يدفع ثمناً باهظاً لهذه الغفلة.. وان كانت حكمة التاريخ علمتنا ان الانسان يميل الى تقديم المصالح الآنية على الحقائق! ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب في الكويت