ثمة مدن لم أبلغها، لم أرها، ولم أعرفها، لكنها تثير أمورا غامضة عندي، أحيانا تستعصي على التفسير، ربما تكون بعض هذه المدن مندثرة من حقب سحيقة البعد، ربما ترتبط عندي بمرحلة عتيقة تفصلني عنها آلاف السنين، لكنها قادرة على البث من خلال الاسم،الاسم فقط، من هذه المدن (بلخ)، ربما يستثيرني الاسم لأنني قرأت عنه في المصادر القديمة، في القصص الفارسية، في مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، ربما لأنها تقع في منطقة آسيا الوسطى، حيث مدن عديدة مثيرة لأفاق وعيي، مثل سمرقند، بخارى، كرمان، أصفهان، هيرات، بلخ وهيرات تقعان فيما يعرف الآن بأفغانستان، فربما أقدم من الدولة التي تضمهما اليوم. فلم يكن هناك قبل مئتي عام دولة اسمها أفغانستان، هذا كيان سياسي حديث عمره لا يزيد على مئتي عام، هيرات نقرأ اسمها الآن على الخرائط التي تشير الى مواقع دكتها القوات الأمريكية في هجومها الوحشي على هذا البلد الاسلامي العريق. وتشتهر بمدرسة خاصة في تصوير المنمنمات التي تزين الكتب المخطوطة، ولا تزال توجد بنفس الاسم، أما بلخ فاسمها الآن مزار شريف. ومنذ اسبوعين كنت مشغولا بالبحث عن مصادر تتناول ثقافة الأفغان وتاريخهم، للأسف اكتشفت الفقر والجدب في المكتبة العربية حول كل ما يتعلق بأفغانستان، ويشاء القدر أثناء اتصالي ببعض من أساتذة الأدب الفارسي والأوردي، أن أعرف من الأستاذة الدكتورة عفاف زيدان التي عاشت في أفغانستان عدة سنوات متصلة في نهاية الستينيات أنها مشرفة على بحث علمي تقدمت به تلميذتها عزة مسلم لنيل درجة العالمية (الدكتوراة) من قسم اللغة الفارسية وآدبها، وأن الرسالة ستناقش بعد يومين. عندما ذهبت الى كلية الدراسات الانسانية عرفت أن العديد من الرسائل العلمية نوقشت ودارت موضوعاتها حول أفغانستان، تاريخها وآدابها، وأحدثها تلك الرسالة التي تتناول مدينة بلخ في الشعر الفارسي،منذ أقدم العصور حتى الغزو المغولي لآسيا الوسطى. أتيح لي أن أحصل على نسخة من البحث الضخم الذي يقع في حوالي ألف صفحة، والذي استغرقت مناقشته عدة ساعات، انتهت بحصول الباحثة على درجة الدكتوراه، ومن خلال قراءتي للبحث، ولكتب أخرى قليلة جدا، لكنها ثرية في مادتها، ومنها كتاب عن شاعر أفغاني كبير عاش وتوفي في القرن العشرين اسمه الخليلي للاستاذة عفاف زيدان رئيسة القسم، والتي تعد بحق حجة في ثقافة هذا البلد الذي انهالت فوقه صواريخ وقنابل أحدث ما في ترسانة السلاح الغربي، باختصار اكتشفت أنني لا أعرف الكثير عن ثقافة أفغانستان وآدابها، وعراقتها، ترتبط عندنا بجمال الدين الأفغاني والدور الذي قام به في مصر وتركيا، لكن ماذا عن فنون أفغانستان وآثارها الأدبية؟ لا نعرف شيئا، وتلك مشكلة كبرى تتصل بالمركزية الأوروبية التي أصابتنا بحول، فلا نتطلع إلا غربا، ولا ننتظر الجديد في الآداب والفنون إلا من الغرب، وتلك قضية كبرى سأعود اليها فيما بعد، لكنني أتوقف الآن عند بلخ من خلال هذا البحث القيم. بلخ، إنها هناك وراء النهر، تقع على الشاطئ الجنوبي لنهر جيحون، والسهل الشمالي لنهر جيحون، والسهل الشمالي المنبسط لجبل (باياكوه) وعلى الطريق التجاري الهام الذي يصل الممرات الجبلية بنهر جيحون. موقع فريد أصبحت كما تصفها المراجع القديمة مجمع الخلائق، وملتقى القوافل، وأيضا هدفا للغزاة القادمين من هضاب آسيا، لقد دمرت بلخ اثنين وعشرين مرة، معظمها بالحروب والغزوات، والزلازل، وآخرها بأيدي وأصابع الطيارين الأمريكيين الذين يضغطون أزرارا على ارتفاعات شاهقة فتنفتح أبواب الجحيم لتطلق قنابل زنة خمسة آلاف رطل، وصواريخ تحمل الشظايا، واليورانيوم المخصب، والنيوترون وسائر أسباب الهلاك، ضد بلد لم يعد فيه بناء قائم أو طريق معبد،قبل أن تعرف البلخ الاسلام. كان فيها المعابد البوذية، وعرفت من البحث أن التمثالين الشهيرين لبوذا والذي يرتفع أحدهما الى ثمانية وخمسين مترا. وثارت حولهما ضجة منذ شهور عندما اقدمت حركة طالبان على تدميرهما. دهشت لأن باميان قريبة جدا من بلخ،وتسمى (سرخ بدونك باميان).. وثمة اثر آخر عثر عليه عمال الطرق عام واحد وخمسين من القرن الماضي يعرف بأثر (سرخ كوتلكتيبة بزرك) ويضم بقايا معبد قديم لعبدة النار، في بلخ قلعة الهندوان. بعد اعتناق أهل بلخ الاسلام بدأ بناء المساجد فيها، وصل عددها الى ألف وثمانمئة وثمانية وأربعين مسجدا، لذلك أسموها بقبة الاسلام، وأصبحت مركزا علميا وثقافيا وروحيا، وكان لبعض هذه المساجد شهرة واسعة مثل المسجد الجامع الذي كان مزينا بالخشب المنقوش، ومسجد أبورجا، وشرف الدين، وعبدالعزيز المعبري، ومسجد خواجة بيادة. لبلخ تاريخ قديم، وتقول المصادر العربية والفارسية ان من بناها هو الاسكندر الأكبر، وكانت تسمى باسمه، الاسكندرية، ثم سميت كوش، ولكثرة ما أصابها من خراب سماها البعض (شهر خون).. أي (مدينة الدماء) أطلق عليها، قاعدة الاسلام، مدينة خراسان العظمى،لأن أفغانستان كانت جزءا من اقليم خراسان الفارسي، كما أطلق عليها ألقاب، المعشوقة، المتلألئة، دار الاجتهاد، دار الفقه، و.. الحسناء.. فماذا عن التصوف والشعر؟ ناصر خسرو، مولانا جلال الدين، سنائي الخزندي، فريد الدين العطار، عمر الخيام وغيرهم. كل هؤلاء مروا بها، وتعلموا فيها، وتأثروا بها، وذكروها في أشعارهم. جاء ناصر خسرو الى بلخ شابا صغيرا، ومنها بدأ رحلته الشهيرة التي وصل فيها الى مصر حيث اعتنق المذهب الاسماعيلي الذي كان سائدا زمن الفاطميين، وعاد الى بلخ ليستقر فيها ويكتب رحلته (سفرنامة) والتي ترجمها الدكتور يحيى الخشاب الى العربية، وعندما اضطرته الظروف الى مفارقة بلخ أنشد شعرا رقيقا ترجمته الباحثة عزة مسلم عن الفارسية. (يا رياح العصر لو تمري على ديار بلخ فمري بمنزلي واسألي عن حالي هناك وانظري كيف صارت دياري بعدي وانظري ماذا فعل فيها الدهر الجافي سيئ الأفعال إني أخاف لقد صار الخراب تحت قدم الزمان وصارت الحدائق خرابا والمنازل تلالا انظري كيف يكون منكري مع أخي وكيف يكون الاتصال معي أيها الزمان اسحب على رؤوسهم جيشا فقد شغلوا عني بالآفات والاهمال وأوصل لهم مني السلام لا تحسن أمري وحالي وأنا بعيد عن قومي) وعندما أصبحت بلخ مركزا للتصوف الاسلامي وفد عليها الشعراء الكبار، ويمكن القول انه ما من متصوف عظيم إلا ونجده شاعراعظيما. الى بلخ جاء سنائي الخزندي، المتوفى عام 525هـ - 1130م، وقد ترجم له المرحوم الدكتور ابراهيم شتا عمله الشعري الرائع(حديقة الحقيقة)، ثم خلفه فريد الدين العطار، مؤلف (منطق الطير) الذي ترجم مرتين الى العربية، مرة في بغداد حيث ترجمه أحمد ناجي القيسي. ومرة في مصر، وترجمه الدكتور بديع جمعة، يقول مولانا جلال الدين الرومي. (كان سنائي عين الطريق ونحن جئنا في الطريق على آثارهما..) في شعر سنائي الخزندي اشارات عديدة الى بلخ، ليس باعتبارها مدينة تركت فيه أثرا بل باعتبارها مدينة صاغت وجدانه وتجربته الصوفية، إنه يذكر ابراهيم بن أدهم الذي ترك الملك والرفاهية وسلك طريق الزهد، يقول: (ترك الجيش والعرش والملك والكنز من عشق طريق ابراهيم بن أدهم..) وفي قصيدة أخرى يذكر بلخ صراحة ويقول ان ترابها يزهو ويفتخر على بحر عدن، ويذكرها عندما اضطر الى الخروج منها مرغما.. (خرجت من بلخ وأنا على هذا النحو من الحسرة ومن العين كانت واديا وإرما..) أما فريد الدين العطار الشاعر الصوفي الأكبر، ومؤلف منطق الطير، فإنه يذكر بلخ في أكثر من قصة، وذكرها كذلك الشاعر عبدالرحمن الجامي، ومولانا جلال الدين الرومي وتوضح الرسالة العلمية الممتازة التي حضرت مناقشتها على مدى أكثر من خمس ساعات في جامعة الأزهر مكانة بلخ العلمية والحضارية والثقافية، كما توضح أهميتها الاستثنائية لموقعها الفريد، وتبرز الحركة الروحية العميقة، الثرية التي جعلت من هذه المدينة رمزا للاشعاع، والتي حملت اسمها كل تلك الدلالات التي أشعر بها والتي أثارت خيالي. بلخ، أو مزار شريف الآن، تقصف بأعتى أنواع أسلحة الدمار التي تلقي بها الطائرات الأمريكية على الجبال والصخور التي لم تكن قط جرداء، جدباء، إنما كانت تفيض بالعلم، والثقافة، وكل ما يؤجج الروح، بلخ هدف الآن للوحشية والجهل!